الاثنين 19 أكتوبر 2026 م - 8 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

اختبارات التدرج للمحامين: بين استحقاق الخبرة وضمان الكفاءة المهنية

اختبارات التدرج للمحامين: بين استحقاق الخبرة وضمان الكفاءة المهنية
الأحد - 18 أكتوبر 2026 02:54 م

د. بدر المسكري

170

أثارت اختبارات الانتقال بين درجات قيد المحامين، التي شرعت وزارة العدل والشؤون القانونيَّة في تطبيقها وفقًا لأحكام قانون المحاماة ولائحته التنفيذيَّة، جدلًا في الأوساط القانونيَّة والمهنيَّة، انقسمت بشأنه الآراء بين مَن يرى فيها قيدًا إضافيًّا على ممارسة المهنة والتدرج فيها، ومَن يعدُّها خطوة إصلاحيَّة طال انتظارها للارتقاء بمستوى المحاماة وتعزيز كفاءة المشتغلين بها. ولعلَّ أهميَّة هذا الجدل لا تكمن في الاختبارات ذاتها، وإنَّما فيما تثيره من سؤال يتَّصل بفلسفة تنظيم المهنة: هل ينبغي أن يكونَ الانتقال إلى درجات القيد الأعلى ثمرة طبيعيَّة لسنوات الممارسة؟ أم استحقاقًا مهنيًّا يتعيَّن إثبات الجدارة به؟ وهل تستطيع الاختبارات ـ مهما بلغت دقَّتها ـ أن تقدِّمَ حكمًا منصفًا على خبرة تشكَّلت عبر سنوات من العمل أمام المحاكم؟

وليس من الإنصاف النظر إلى المعترضين على هذه التجربة باعتبارهم رافضين لتطوير المهنة أو متحفظين على إخضاع كفاءتهم للتقييم. فثمَّة اعتبارات مهنيَّة وقانونيَّة تستحقُّ التوقُّف عندها؛ فالمحامي الذي أمضى سنوات في إعداد المذكّرات والمرافعات، ومتابعة الخصومات، والتعامل مع المحاكم والموكّلين، قد يرى أنَّ هذه الممارسة المتراكمة أقدر على إثبات كفاءته من اختبار يؤدِّيه خلال ساعات محدودة؛ فالخبرة القانونيَّة ليست مجرَّد حصيلة من المعلومات، وإنَّما قدرة على قراءة الوقائع، وفَهْم المصالح المتعارضة، وتقدير الأدلَّة، واختيار وسائل الدِّفاع، والتعامل مع المواقف الإجرائيَّة التي يصعب الإحاطة بها في اختبار تقليدي.

ومن هذه الزاوية، يبدو التساؤل مشروعًا: كيف يمكن لاختبار واحد أن يزنَ خبرة مهنيَّة امتدَّت لسنوات، بكل ما انطوت عليه من نجاحات وتحدِّيات ومسؤوليَّات؟

ويُعزِّز أصحاب هذا الاتِّجاه موقفهم باعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة الممارسة القانونيَّة وتنوُّع تخصُّصاتها؛ فالمحامي المتخصِّص في المنازعات الجنائيَّة يراكم معارف ومهارات قد تختلف عن تلك التي يكتسبها المحامي المتخصِّص في المنازعات التجاريَّة أو الإداريَّة، وإذا صُمِّمت الاختبارات بصورة موَحَّدة لا تراعي هذه الفوارق، فقد تتحول إلى قياس للمعرفة العامَّة في فروع قانونيَّة لا تُشكِّل مجال الممارسة الفعليَّة للمحامي، بدلًا من قياس كفاءته في أداء الأعمال التي تتطلبها درجة القيد الأعلى. ويضاف إلى ذلك ما تفرضه الاختبارات من أعباء التحضير والوقت والتكاليف، خصوصًا بالنسبة إلى المحامين الذين تتطلب طبيعة عملهم متابعة يوميَّة للقضايا والجلسات والالتزامات المهنيَّة.

وتكشف هذه الحجج عن حقيقة أساسيَّة، وهي أنَّ الكفاءة المهنيَّة أوسع من أن تختزلَ في المعرفة النظريَّة أو نتيجة امتحان. غير أنَّ التسليم بهذه الحقيقة لا يقود بالضرورة إلى النتيجة التي ينتهي إليها المعترضون، وهي أنَّ الخبرة العمليَّة ينبغي أن تكونَ وحدها أساس الانتقال بين درجات القيد؛ ذلك أنَّ الخبرة ـ على أهميَّتها ـ ليست قِيمة ثابتة تتحقق تلقائيًّا بمرور الزمن، وإنَّما تتفاوت بتفاوت طبيعة الممارسة وجودتها، ومدى حرص المحامي على تطوير معارفه ومهاراته.

ومن هنا ينطلق أنصار اختبارات التدرج في الدِّفاع عن مشروعيَّتها وجدواها؛ فسنوات الممارسة، في نظرهم، تصلح دليلًا على الاستمرار في المهنة، لكنَّها لا تقدِّم بالضرورة دليلًا كافيًّا على تطوُّر الكفاءة؛ فقد يمضي محاميان المُدَّة نفسها في ممارسة العمل القانوني، بينما يختلفان اختلافًا كبيرًا في قدرتهما على التحليل والاستدلال والصياغة، وفي مدى مواكبتهما للتطوُّرات التشريعيَّة والقضائيَّة. وليس من المنطقي ـ وفق هذا الاتِّجاه ـ أن يصبحَ مجرَّد انقضاء المُدَّة الزمنيَّة كافيًا لإقرار أهليَّة المحامي للانتقال إلى درجة أعلى، دون التحقُّق من امتلاكه المستوى المهني الذي تقتضيه تلك الدرجة.

وتزداد قوَّة هذه الحجَّة إذا نظرنا إلى التدرج في المحاماة من زاوية الوظيفة القانونيَّة التي يؤدِّيها. فالانتقال إلى درجة قيد أعلى لا يُمثِّل مجرَّد ترقية في المكانة المهنيَّة، وإنَّما يرتبط باتِّساع نطاق الصلاحيَّات التي يستطيع المحامي مباشرتها أمام درجات قضائيَّة مختلفة، وهذا الاتِّساع يفترض مستوى مناسبًا من المعرفة القانونيَّة والقدرة على فَهْم الأحكام وتحليلها، واستخلاص أوْجُه الطعن، وصياغة الدفوع والمذكرات، والتعامل مع طبيعة الخصومة أمام المحكمة المختصَّة. ثم، إنَّ اشتراط التحقُّق من هذه الكفايات لا ينبغي أن يُفهمَ باعتباره انتقاصًا من الخبرة السابقة، وإنَّما ضمانة إضافيَّة تتناسب مع المسؤوليَّات التي تتيحها درجة القيد الجديدة.

ولعلَّ الحجَّة الأهمَّ التي يستند إليها المؤيِّدون أنَّ تنظيم مهنة المحاماة لا يتعلق بمصلحة المحامي وحده؛ فالمحاماة ـ وإن كانت مهنة حُرَّة ـ تؤدِّي وظيفة وثيقة الصِّلة بحُسن سَير العدالة وحماية حقِّ الدِّفاع. والمتقاضي الذي يعهد إلى محامٍ بالدِّفاع عن حقوقه لا يعنيه عدد السنوات التي أمضاها ذلك المحامي في المهنة بقدر ما يعنيه أن يكونَ قادرًا على تمثيله بكفاءة وعناية ومسؤوليَّة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التحقُّق من التأهيل المهني لا يُمثِّل مجرَّد تنظيم للعلاقة بين المحامي والجهة المختصَّة، وإنَّما يتَّصل بالمصلحة العامَّة في ضمان جودة العمل القانوني، وتعزيز الثِّقة في منظومة العدالة.

ومن أبرز مؤيِّدات هذه التجربة أنَّ آثارها قد تمتدُّ إلى كليَّات الحقوق، فتدفعها إلى مراجعة برامجها ومناهجها وأساليب تدريسها وتقويمها، بما يُعزِّز مهارات التحليل والصياغة والتطبيق العملي لدى خرِّيجيها، ويشجِّعها على تطوير التدريب والعيادات القانونيَّة والمحاكمات الصوريَّة، والتنافس في جودة مخرجاتها واستقطاب الكفاءات الأكاديميَّة. وبذلك تُسهم الاختبارات في تعزيز التكامل بين التعليم القانوني ومتطلبات الممارسة المهنيَّة، بحيث لا تقتصر مهِمَّة الجامعة على تخريج مَن يعرف القانون، بل مَن يمتلك القدرة على توظيفه في الواقع العملي.

وممَّا تجدر الإشارة إليه هنا أنَّ هذا التوَجُّه ليس بعيدًا عن بعض التجارب المقارنة: ففي الأردن ـ على سبيل المثال ـ تتضمن منظومة تأهيل المحامين المتدربين اختبارات كتابيَّة وشفويَّة ومتطلبات تدريبيَّة، إلى جانب مناقشة بحث قانوني. ورغم اختلاف هذه التجربة عن اختبارات الانتقال بين درجات القيد، فإنَّها تقدِّم فكرة جديرة بالاعتبار، وهي أنَّ التحقُّق من الجاهزيَّة المهنيَّة يمكن أن يقومَ على أدوات متعدِّدة تجمع بين المعرفة القانونيَّة والتدريب والقدرة على التحليل والتطبيق.

وبين هذيْنِ الاتِّجاهيْنِ، أرى أنَّ اختبارات التدرج تُمثِّل في أصلِ فكرتها خطوة إيجابيَّة تستحق التأييد، ولكن نجاحها يتوقف على طبيعة الاختبارات وضمانات تطبيقها، لا على مجرَّد تقريرها شرطًا للانتقال بين درجات القيد. فالاعتراض على الاكتفاء بالأقدميَّة اعتراض وجيه، لكنَّه لا يبرِّر المبالغة في قدرة الاختبارات على قياس الكفاءة. وبالمقابل، فإنَّ الاعتراف بقِيمة الخبرة العمليَّة لا يقتضي إعفاء صاحبها من كل تقييم. والخطأ في الحالتين واحد: تحويل معيار مُهم من معايير الكفاءة إلى معيار وحيد للحكم عليها.

ومع ذلك، فإنَّ نجاح هذه التجربة لا يمكن افتراضه مسبقًا، بل ينبغي التحقُّق منه من خلال المراجعة الدوريَّة للاختبارات، وتحليل نتائجها والاستفادة من ملاحظات المحامين وتقييم الخبراء المستقلين. فالتنظيم المهني الرَّشيد لا يكتفي بفرض متطلبات جديدة، وإنَّما يسأل باستمرار عمَّا إذا كانت هذه المتطلبات تُحقق الغاية التي وضعت من أجْلِها، وما إذا كانت آثارها الإيجابيَّة تتناسب مع ما تفرضه من أعباء.

ختامًا، فإنَّ تطوير مهنة المحاماة لا يتحقق بمنح الأقدميَّة قِيمة مطْلقة، ولا بإضفاء صفة الحسم على نتيجة اختبار مهما بلغت دقَّته. وإنَّما يتحقق من خلال منظومة تعترف بالخبرة وتتحقق من الكفاءة، وتربط التدرُّج المهني بالاستعداد الفعلي لتحمُّل مسؤوليَّاته، وتكفل في الوقت ذاته عدالة التقييم وشفافيَّته. ولذلك فإنَّ اختبارات التدرُّج تستحق أن ينظرَ إليها بوصفها فرصة لتطوير المهنة، لا مجرَّد إجراء تنظيمي جديد، شريطة أن تظلَّ وسيلة لتحقيق الكفاءة لا غاية قائمة بذاتها.

د. بدر المسكري

كاتب عماني