الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 م - 9 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

حين تصبح سلامة المواطن أولوية للتنمية

حين تصبح سلامة المواطن أولوية للتنمية
الأحد - 18 أكتوبر 2026 02:50 م

جودة مرسي

10

كثيرة هي الأحداث والمناسبات التي تمرُّ أمامنا، لكن قليلة تلك التي تترك فينا أثرًا بليغًا يجعلنا نتأمل ما وراء الأحدث ونقف إجلالًا لمعطياتها الإنسانيَّة والمُجتمعيَّة. والحدث الذي أقصده هنا هو تدشين الهُوِيَّة الجديدة لهيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، وتأثير الحدث هنا يبرز في معنى أن تصبحَ سلامة المواطن أولويَّة للتنمية؛ حيث إنَّه لا تُقاس قوَّة الدول بما تشيِّده من مشروعات، وما تُحققه من معدَّلات نُمو اقتصادي فحسب، بل بقدرتها على حماية المواطن الذي يُمثِّل غاية التنمية ووسيلتها، وضمان أمنه وسلامته في مواجهة المخاطر والطوارئ. ومن هذا المنطلق، يكتسب تدشين حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ هُوِيَّة هيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف، دلالة تتجاوز حدود التحديث المؤسَّسي إلى آفاق أوسع تتَّصل بمفهوم الأمن المُجتمعي واستدامة التنمية. إنَّ اهتمام جلالة السُّلطان ـ حفظه الله ـ بمنظومة الدِّفاع المَدني والإسعاف يعكس إدراكًا لأهميَّة المؤسَّسات التي تقف في الصفِّ الأول لحماية الأرواح والممتلكات، وتتحمل مسؤوليَّة الاستجابة للحوادث والكوارث والحرائق، وتقديم العون للمُصابين في اللحظات التي تصبح فيها سرعة التدخل وكفاءة الأداء عاملين حاسمين في إنقاذ الحياة. وتزداد أهميَّة هذه المنظومة مع ما تشهده سلطنة عُمان من تطوُّر عمراني واقتصادي واستثماري، وتوسّع في المشروعات الصناعيَّة واللوجستيَّة والسياحيَّة. فكلَّما اتَّسعت قاعدة التنمية وتنوَّعت أنشطتها، ازدادت الحاجة إلى منظومة حماية مدنيَّة متطوِّرة، تمتلك القدرات البشريَّة والتقنيَّة، وتعمل وفق خطط استباقيَّة تَضْمن سرعة الاستجابة والحدَّ من الخسائر. ومن هنا، فإنَّ تدشين الهُوِيَّة الجديدة للهيئة يمكن قراءته في سياق مرحلة مُتجدِّدة من التطوير المؤسَّسي، تستهدف تعزيز حضورها المُجتمعي وترسيخ رسالتها، بالتوازي مع ضرورة مواصلة الاستثمار في التدريب والتجهيز والتقنيَّات الحديثة، وتطوير آليَّات التنسيق بين الجهات المعنيَّة بإدارة الطوارئ والأزمات. ولا تقتصر مسؤوليَّة الدِّفاع المَدني على التدخل بعد وقوع الحوادث، بل تمتدُّ إلى نشرِ ثقافة الوقاية، ورفع مستوى الوعي المُجتمعي، وتعزيز قدرة الأفراد والمنشآت على التعامل مع المخاطر قَبل تحوُّلها إلى أزمات؛ فالوقاية ليست أقلَّ أهميَّة من الإنقاذ، بل قد تكون أكثر تأثيرًا في تقليل الخسائر وحماية الموارد. وهنا تحمل الرعاية التي يوليها جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ لهذه المنظومة رسالة مهِمَّة مفادها أنَّ أمن المواطن والمقيم وسلامتهم جزء أصيل من مسؤوليَّة الدَّولة، وأنَّ بناء المؤسَّسات القادرة على حماية المُجتمع يُمثِّل استثمارًا في الاستقرار والثِّقة وجودة الحياة. وفي المحصلة، فإنَّ القِيمة الحقيقيَّة لأيِّ هُوِيَّة مؤسَّسيَّة جديدة لا تتوقف عند ما تعكسه من صورة ورسالة، وإنَّما تتجسد في قدرتها على مواكبة التطوير وتحقيق أثَر ملموس في حياة المواطنين؛ فالتنمية التي تستحق الاستدامة هي تلك التي لا تكتفي ببناء المستقبل، بل تحرص أيضًا على حماية المواطن الذي سيعيش فيه، حيث إنَّ المواطن هو الهدف المستهدف في كل برامج خطط التنمية.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»