فيما يُمثِّل القرن الإفريقي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة والأمن بصورة تجعل أيَّ أزمة داخل إحدى دوله قابلة للامتداد إلى محيطها الإقليمي، تكتسب الأزمة الإثيوبيَّة أهميَّة استثنائيَّة يسبب الجوار الإثيوبي لكل من إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان المشتعلة داخله حرب عمرها ثلاث سنوات تأثَّرت سلبًا بإفرازات تقاطع المصالح الجيوسياسيَّة لجواره في جنوبه الشرقي، فضلًا عن الارتباط المباشر للأزمة الإثيوبيَّة بأمن البحر الأحمر وحوض النِّيل.
ولذلك فإنَّ تجدُّد الصراع في إقليم تيجراي في سبتمبر (2026) يثير مخاوف دول الجوار الإثيوبي من تداعيات الأزمة الإثيوبيَّة، خصوصًا في ظلِّ الحرب الدائرة في السودان، والتوتُّرات حول مساعي أديس أبابا لأجْلِ الوصول إلى البحر الأحمر، وأزمة مياه النِّيل التي سببها سدُّ النهضة الإثيوبي على النِّيل الأزرق، علاوةً على الهشاشة الأمنيَّة في الصومال.
ما يوسِّع دائرة المخاوف هو أهميَّة المنطقة اقتصاديًّا؛ كونها ذات قاعدة سكَّانيَّة واسعة وسوق قابلة للنُّمو؛ إذ تُشير بيانات الهيئة الحكوميَّة للتنمية «إيغاد» التي تضمُّ دولًا من منطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا، إلى أنَّ سكَّان دول الإقليم ارتفعوا من (207.5) مليون نسمة عام (2010) إلى (283.5) مليونًا في (2022)، فيما بلغت التحويلات الماليَّة (12.3) مليار دولار في (2022). غير أنَّ هذه الإمكانات لا تزال تواجه ضعف التكامل التجاري، في ظلِّ محدوديَّة التجارة البينيَّة، واعتماد اقتصادات عديدة على صادرات المواد الأوَّليَّة، إلى جانب استمرار اختلال الموازين التجاريَّة بينها.
وتأتي إثيوبيا في قلبِ هذه المعادلة؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نمو اقتصادها الحقيقي بنسبة (9.2%) في عام (2026)، مع عدد سكَّان يبلغ نحو (112.37) مليون نسمة. وفي المقابل، يُشير البنك الدولي إلى فرص واعدة في قِطاعات الزراعة والتصنيع والخدمات، لكنَّه يلفت إلى أنَّ الصراع والنزوح وفقدان سُبل العيش لا تزال من العوامل التي تعيق التنمية، وتزيد الضغوط الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
كما تكمن خطورة الأزمة الإثيوبيَّة الحاليَّة في أنَّ استمرارها قد يربط بين عدَّة أزمات قائمة أصلًا؛ إذ إنَّ التوتُّر الإثيوبي الإريتري يرتبط جزئيًّا بمسألة محاولة إثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر لضمانِ منْفذ بحري لها، بينما يمكن أن تؤثِّرَ أيُّ مواجهة جديدة في حركة التجارة عبر الموانئ، ولا سِيَّما أنَّ جيبوتي تعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات اللوجستيَّة والتجارة المرتبطة بالممرِّ الإثيوبي، في حين أنَّ البنك الدولي قدَّر نُمو اقتصاد جيبوتي الجارة بنحو (6.5%) في (2025)، لكنَّه أشار إلى أنَّ التوتُّرات الإقليميَّة واضطرابات الملاحة قد تضغط على الممرِّ التجاري بين جيبوتي وإثيوبيا.
وعلى الجانب الآخر تجعل الحرب السودانيَّة المشهد أكثر تعقيدًا، فقد أدَّت إلى نزوح أكثر من (11.6) مليون شخص حتى مارس (2026)، ممَّا يعني أنَّ أيَّ توسُّع للصراع الإثيوبي قد يضيف ضغطًا جديدًا على حدود الدول المجاورة التي بينها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ السودان وموارده الإنسانيَّة والاقتصاديَّة.
لذلك فإنَّ تجنُّب دول الجوار الإثيوبي لتداعيات الأزمة الإثيوبيَّة لا يبدأ بمحاولة عزل هذه الأزمة عن محيطها، بل بإدارة آثارها بصورة جماعيَّة عبر الحفاظ على قنوات الحوار بين دول الجوار، وتفعيل آليَّات الإنذار المبكر والوساطة الإقليميَّة وحماية الممرَّات التجاريَّة والحدود من التوتُّرات الأمنيَّة وتنويع طُرق النقل والموانئ، وتعزيز التجارة البينيَّة بدل الاعتماد المفرط على مسارات محدودة. كما تحتاج دول المنطقة أيضًا إلى فصل المصالح الاقتصاديَّة طويلة الأجل عن الخلافات السياسيَّة الآنيَّة؛ لأنَّ استمرار تدفُّق السِّلع والطاقة والغذاء والاستثمارات يمكن أن يصبحَ عامل استقرار في حدِّ ذاته.
والأهمُّ أنَّ أمن القرن الإفريقي لا يمكن أن يبنى على إدارة كل أزمة بصورة منفردة؛ لأنَّ الحرب في السودان والتوتُّرات الإثيوبيَّة الإريتريَّة وهشاشة الوضع في الصومال، والتنافس حول مياه النيل والبحر الأحمر، جميعها ملفَّات متداخلة. ولذلك تبدو المصلحة المشتركة لدول الجوار في احتواء التصعيد، خصوصًا في حربَي السودان وإثيوبيا، وذلك مع أهميَّة العمل على تحويل الموقع الجغرافي لمنطقة القرن الإفريقي من مصدر للمخاطر إلى قاعدة للتجارة والرَّبط الإقليمي لأجْلِ تقليل كلفة الأزمات وحماية فرص التنمية المتاحة أمام شعوب القرن الإفريقي.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»