الجمعة 23 أكتوبر 2026 م - 12 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

التشكيلي سعيد الرويضي: دراستي للتشريح تمنحني «الكتلة».. والمعايشة الوجدانية هي ما ينفذ إلى «الروح»

التشكيلي سعيد الرويضي: دراستي للتشريح تمنحني «الكتلة».. والمعايشة الوجدانية هي ما ينفذ إلى «الروح»
الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 02:27 م
30


حاوره ـ وحيد تاجا:

في هذا الحوار، يفتح الفنان التشكيلي سعيد الرويضي أفق تجربته الإبداعية، بين صرامة التأسيس الهندسي والتشريحي في روسيا، وحساسية الهوية الوجدانية العُمانية. يتحدث الرويضي عن فلسفة «الكتلة»، وحقيقة النفاذ إلى روح الإنسان في البورتريه، موقفاً ومفهوماً في مواجهة السطوة الرقمية وسلعة الفن المعاصر. ويُذكر أن الرويضي (مواليد 1987)، يجمع بين بكالوريوس هندسة المعدات الطبية والتأهيل الأكاديمي الكلاسيكي في كلية الفنون الجميلة بمدينة ليبتسك الروسية. يتخصص الرويضي في فن البورتريه والتشريح وقراءة التعابير الانفعالية، وينتمي أسلوبه إلى التعبيرية الرمزية القائمة على بناء الكتلة وقوة الشحنة اللونية والخط العربي. أقام وشارك في العديد من المعارض المحلية والدولية ، وتُقتنى أعماله لدى جهات رسمية ومؤسسات كبرى ، كما يمتلك «مرسم سعيد الرويضي» بمسقط كفضاء حيوي لتعليم وتأهيل المواهب التشكيلية الشابة.

ـ إلى أي مدى ينعكس تكوينك الهندسي ودراستك للتشريح على بناء الكتلة والشحنة التعبيرية في لوحتك؟

دراستي للتشريح لا تقف عند حدود الرسم السطحي، بل هي فهم عميق لـ (وظيفية الكتلة» حركيًا وبنائيًا، سواء كانت لجسم إنسان أو لعنصر من الطبيعة. حين أفهم الوظيفة الحقيقية للعضو أو الشكل أفكك مكوناته البنائية، ثم أطعمها بالشحنة التعبيرية والشعور اللحظي. التشريح والهندسة يمنحاني الأساس البنائي (الكتلة، الضوء، والسطح) والنسب والتوازن، بينما يتدخل إحساسي وهويتي الداخلية ليحولا هذا البناء الوظيفي إلى عمل فني يحمل حركة، وقوة، وتعبيرًا وجدانيًا ناطقًا.

ـ بعيدًا عن دقة الملامح في البورتريه، كيف تنفذ إلى روح الإنسان القابعة خلف الوجه؟

الإنسان بالنسبة لي (روح) قبل أن يكون مجرد ملامح؛ لذا لا يستهويني نقل التفاصيل الفوتوغرافية الجافة التي تقتل التعبير. النفاذ إلى الروح يتطلب معايشة وجدانية مع الشخصية ، كما تجسد في تجربتي مع لوحة (النجار الحلبي) حيث نتبادل الحديث لأقتنص انفعالاتها اللحظية. وبعد استيعاب هذه الشحنة الإنسانية، يبدأ البناء الفني القائم على تركيب البورتريه وفق كتلة العظام وحركة العضلات وتدفق الدورة الدموية، ليغدو البورتريه كائنًا ينطق بالروح لا مجرد وجه صامت.

ـ هل تأتي ألوان البورتريه استجابةً للواقع، أم للشعور الذي يثيره فيك صاحب الوجه؟

الألوان في أصلها نابعة من الواقع، لكن قيمتها وحركتها لا تقف عند حدود النقل الفوتوغرافي، بل تتغير وتتحول تبعًا للشعور والإحساس الذي أعيشه في لحظة الرسم. أدمج بين الواقعية والتأثيرية والانطباعية لتجاوز التفاصيل التقريرية الجافة، منحازًا للون الذي ينطق بالحياة ويمنح اللوحة قوة وحركة. أقتنص ألوان الطبيعة وتحولاتها الضوئية، وأعيد صياغتها على اللوحة بنسب مدروسة ، تتفاوت غالبًا بين الألوان الباردة كخلفية مسيطرة (بنسبة 70%) والألوان الحارة كعنصر سلطة وقوة (بنسبة 30%)، لتكون الألوان في النهاية انعكاسًا موازيًا لحالتي الشعورية والنفسية في تلك اللحظة.

ـ ماذا أخذت من المدرسة الروسية، وماذا قاومت فيها حفاظًا على خصوصية منطقك الفني العُماني؟

علمتني المدرسة الروسية التأسيس المتين، وعمق القراءة اللونية والحركية المتأثرة بالطبيعة والطقس البارد، والخبرة البصرية الناتجة عن الاحتكاك بالمعارض والفنانين هناك. أما ما قاومته كليًا، فهو الذوبان في الهوية الروسية، فثقافتي ومبادئي العُمانية تختلف تمامًا. لم أبْنِ لوحتي على عناصر غريبة عني، بل وظّفت التقنيات والمكتسبات الروسية كأدوات للتعبير عن البيئة والتاريخ والإنسان العُماني.

ـ حين ترسم البيئة العُمانية من الذاكرة، هل تعيد بناء المكان كما هو، أم كما انطبع في وجدانك؟

أعيد بناء المكان كما انطبع في وجداني؛ فالنقل المباشر وتدقيق التفاصيل يسبب لي الملل ويحيل اللوحة لتوثيق صامت. عندما أرسم الطبيعة العُمانية كالبحر بشواطئه الصخرية أو الأشجار أعتمد على مخزوني الشعوري متجاوزًا الصورة الفوتوغرافية. البحر العُماني تحديدًا هو معلمي الأول في القوة والتوازن، وحين أرسمه من الذاكرة، أسكب فيه حالتي النفسية اللحظية مستندًا إلى فهمي لبنية الكتلة والضوء، ليصبح المكان تعبيرًا وجدانيًا يحمل روح البيئة لا جغرافيتها.

ـ ما الذي يحمي الخط العربي والحروفية في لوحتك من التحول إلى مجرد عنصر زخرفي؟

يحميها أن تظل (الكتلة والموضوع) هما البطل الأساسي، وأن يرتبط الحرف أو الزخرفة بدلالة فكرية ومفهومية تتكامل مع جوهر اللوحة ،كآية أو بيت شعر،لا مجرد ديكور شكلي أو استعراض جمالي. للأسف، تحولت الحروفية لدى البعض إلى استسهال قائم على الاستنسل والنقل. ورغم دراستي المتعمقة للخط العربي الكلاسيكي والزخرفة، فضّلت عدم إقحام الحروفية في أعمالي حتى الآن، وحين يتواجد الخط فإنه يأتي بشكل حر ومفهومي «كما في توقيعي» ولن أوظفه كاتجاه إلا عندما يكون جزءًا أصيلًا من بنية الكتلة والمعنى.

ـ ما الذي تغير في رؤيتك للفن بين الفنان الذي بدأت به، والفنان الذي أصبحت عليه اليوم؟

حين بدأت مشاركاتي عام 2003، كان اهتمامي ينصبّ على الجانب الجمالي الظاهري للوحة. أما اليوم، فقد اتسع مفهوم الفن لديّ ليصبح رسالة إنسانية وعلمًا عميقًا يهدف لإحداث أثر حقيقي لدى المتلقي وتغيير أحوال الناس. الفن بالنسبة لي اليوم ممارسة للتدبر والتفكر في جوهر الإنسان والطبيعة وحكمة الخلق، فرسم البورتريه لم يعد مجرد نقل للملامح، بل دراسة تشريحية عميقة ونفاذ إلى مشاعر الشخصية وهويتها.

ـ في ظل السطوة الرقمية وسرعة الصور، هل ترى أن اللوحة الزيتية ذات النفس البطيء قادرة على الصمود؟

ستظل اللوحة الأصيلة قادرة على الصمود، فالسطوة الرقمية مجرد تحول مرحلي يشبه ما أحدثته الثورة الصناعية سابقًا.

التشكيلي سعيد الرويضي: دراستي للتشريح تمنحني «الكتلة».. والمعايشة الوجدانية هي ما ينفذ إلى «الروح»