لا شيء يرفع الإنسان مثل الأخلاق؛ فالعلم بلا أخلاق قد يتحول إلى أداة للضرر، والمال بلا أخلاق قد يصير وسيلة للاستغلال، والسلطة بلا أخلاق قد تنقلب استبدادًا، والتدين نفسه إذا انفصل عن الأخلاق قد يفقد أثره في الناس، ولذلك لم تكن الأخلاق هامشًا في رسالة الإسلام، بل كانت في قلب بنائها؛ حتى قال النبي (صلى الله عليه وسلم:((إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق)، وجعل الحياء شعبة من الإيمان، وأخبر أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه.
وإذا كنا في هذه السلسلة نحاول أن نقرأ المولد النبوي قراءة فكرية تتجاوز سرد الحوادث إلى استنطاق دلالاتها، فإن سؤالًا يستحق الوقوف عنده: ماذا يعني أن يولد خاتم الأنبياء في البيئة العربية، وأن تكون العربية لسان رسالته الأولى، وأن يكون العرب الحاضنة البشرية الأولى للوحي؟.
ليس المقصود أن العرب قبل الإسلام كانوا مجتمعًا مثاليًا؛ فالقرآن نفسه كشف انحرافات الجاهلية، من العصبية والظلم والربا ووأد البنات واستضعاف الفقراء وغير ذلك. ولكن الجاهلية لم تكن فراغًا أخلاقيًا كاملًا أيضًا؛ فقد بقي في المجتمع العربي رصيد من المروءة والكرم والنجدة وحماية المستجير والوفاء بالعهد والشجاعة والحياء وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف، كما بقيت فيه آثار من الحنيفية الإبراهيمية، وإن خالط ذلك كله ما خالطه من انحراف.
ولعل التعبير النبوي نفسه دقيق في هذا المعنى:(لأتمم)، فالرسالة لم تأت لتصنع الإنسان العربي من العدم، وإنما جاءت لتتمم صالح الأخلاق، وتطهرها من العصبية والمباهاة، وتنقلها من حدود القبيلة إلى رحابة الإنسانية، ومن ضغط العرف إلى رقابة الضمير، ومن طلب المحمدة بين الناس إلى ابتغاء مرضاة الله، ويفتح لفظ (لأتمم) بابًا مهمًا للتأمل؛ فهو يدل على إقرار أصل صالح من الأخلاق، ثم استكماله وتقويمه وربطه بالوحي.
وكان العرب يتنافسون في بعض ميادين المروءة كما يتنافس الناس اليوم في ميادين المال والجاه، وحفظ الأدب العربي أسماء ارتبطت في الذاكرة بالكرم والوفاء، كحاتم والسموأل وغيرهما في خصال أصبحت أمثالًا تضرب. وجاء في صحيح مسلم أن رجلًا بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حي من أحياء العرب فسبوه وضربوه، فقال له:(لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك(، وهذه شهادة نبوية مباشرة في خلق اجتماعي عند أهل عُمان، وتضعنا أمام سؤال كبير: ما قيمة أن يرث مجتمع شهادة أخلاقية عمرها قرون، ثم لا يحولها إلى مسؤولية أخلاقية متجددة؟.
وكان وراء ذلك الميراث ظل بعيد من مدرسة إبراهيم عليه السلام؛ ذلك النبي الذي وصفه القرآن بأنه (أمة)، وحين جاءه الضيوف لم يبدأ بالسؤال عن هوياتهم ولا مقاصدهم، بل قال تعالى:(فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذاريات ـ 26)، إنها صورة قرآنية مكثفة لثقافة الضيافة والمبادرة إلى الإكرام قبل انتظار الطلب.
ثم جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) فبلغ بالأخلاق ذروتها، حتى شهد له القرآن:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ولم يأسر القلوب بخطابه وحده، وإنما سبقه إليها خلقه؛ فعرف الناس صدقه قبل بعثته، وأمانته قبل نبوته، ثم رأوا بعد الرسالة عفوه عند المقدرة، ورفقه عند الغضب، وصبره على الأذى، وتواضعه عند النصر. ولذلك لم تكن كتب الشمائل ترفًا تاريخيًا، وإنما كانت محاولة لحفظ النموذج الأخلاقي الذي صنعت به النبوة الإنسان.
فالإسلام لم يلغِ كل ما ورثه العرب؛ بل زكّى صالحه، ونزع عنه العصبية، وربطه بالله، ووسّع دائرته من شرف القبيلة إلى كرامة الإنسان. ولكن.. ماذا بقي لنا؟!، ومن هنا يتحول المولد من مناسبة للاحتفاء بالماضي إلى مرآة للحاضر. فمن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ذات إرث أخلاقي عظيم أن تتحول أخلاق أسلافها إلى مادة للفخر، بينما يتحول واقعها إلى شيء آخر؛ نتغنى بالكرم ثم نبخل بالحقوق، ونمدح الصدق ثم نتسامح مع الكذب، ونفاخر بالمروءة ثم نستسهل التشهير، ونتحدث عن الحياء بينما تتسع مساحات انتهاك الخصوصيات والأعراض.
سامي بن محمد السيابي
كاتب عماني