السبت 24 أكتوبر 2026 م - 13 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

«الفرق الدلالي بين الأفعال التي ترسم بالألف القائمة وبالألف اللينة» «دراسة تطبيقية على بعض أفعال اللغة العربية» «3»

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 02:49 م
460

.. وفي مادة (سرى) نجد المعاني الآتية: السير ليلًا وقطع المسافة بالليل والمسايرة مع الآخر، والمضاء، والاختيار، (مضى، وذهب، واختار، وشرف ـ مشى ليلًا، وأتاه ليلًا، وقطع الأرض بالليل).

علاقة الجذرين اللغويين، وربطهما معًا بحادثة الإسراء: إنه يمكن ـ من خلال الجمع بين الدلالتين في حادثة الإسراء ـ أن نقول، واللغة تؤيدنا فيما نميل إليه، وما ورد فيها يقوِّي مذهبَنا هذا في أن حادثة (الإسراء والمعراج) إنما تَمَّتْ لعدد من الأسباب، والمقاصد، والغايات، منها التشريف لشخصه الشريف، والتكريم والتقدير، والسراية عنه، والتخفيف مما ناله في كلٍّ من مكةَ، والطائف، وفي كلِّ ما حدث له من حمَّالة الحطب، وبعلها أبي لهب، وكلِّ ما حصل له من صَدٍّ للناس عنه، واضطراره إلى الهجرة بأصحابه هنا وهنا (الحبشة، والمدينة المنورة)، فكان بمثابة التسرية، وجبر الخاطر، والاستضافة التي تبيِّن له قدره، ومكانته، وتمسح عنه آلام الأرضِ، وتعسُّف أهلها، ووقوفهم ضد هذا الدين الجديد الذي سيساوي بين نفوس البشر، ويجعل العدلَ هو أساس التعاملِ بين الناس: كبيرهم، وصغيرهم، عظيمهم ودهمائهم، وهو ما لا يريدونه، إنما يريدون الطبقية، والاستعلاء، واستعباد الخلق، كما أن في الإسراء والمعراج اختيارًا للرسول من بين البشر جميعا، والسيرَ به ليلًا، أو في جزءٍ من الليل، حيث سُبُحَاتِ السماء، وحياة الروح، وجلال الهدوء، وجمال السماء بنجومها، وأنوارها، وقمرها، وزهوها، والليل هو خيرُ الأوقات لمثل هذا النوع من الهدوء، والانشغال بحياة الروح، والتأمُّل، والتفكُّر، واختلاء كلِّ حبيب بحبيبه، والتناجي، والود، والقرب، والحب، فالله أرسل إلى رسوله الكريم في تلك الرحلة؛ ليبين له درجة مودته، وسعة عنايته، وكامل حبه، وحسن رعايته، في رحلة أرضية سماوية لم تحدث لأحدٍ مِنْ قبله، فإنْ كان سليمانُ ـ عليه السلام ـ قد قال:(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، فَسخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (ص 35 ـ 40)، فإنّ الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد اختُصَّ بعديد المعجزاتِ، وكثير من العطايا الربانية، والهبات في الدنيا، وفي الآخرة، ومنها حادثة الإسراء الضخمة في معانيها ومبانيها، والمتعددة في غاياتها ونبلها، ومراميها، ومرائيها.

فالفعلان بمادتيهما:(سرا ـ سرى) يشاركان في توضيح تلك المعاني، وبيان هذه القيم، فهو اختيارٌ، وتشريفٌ، وتكريمٌ، وتقديرٌ، وتسريةٌ، وإسراءٌ بالليل، ونزعٌ لكل الأحزان، وإلقاءٌ بها عن كاهل الرسول الكريم، واحتفاءٌ في الملأ الأعلى، وهو في الوقت نفسِه كشفٌ للمكانة، وإظهارٌ للمنزلة، وبيانٌ لكلِّ ما يحدث، وسيحدث في هذه الحياة، وبعد انتهائها، حيث كانتْ رحلةً محددةَ المبدأ، والمنتهى، واضحة الغاية، والهدف، والزمن، وظاهرة العلة، والأجلية، وكاشفة عن العناية، والرعاية.

وعن رأيي في المسألة: ومع ذلك كلِّه، إلا أنني مع الرأي الذي يذهب إلى أن الإسراء قد أتى من الفعل اليائي اللام:(سرى ـ يسري)، وليس من الواوي اللام:(سرا ـ يسرو)، بدليل قولهم: (سَرَيْتُ به)، و(عند الصباح يحمَد القوم السُّرَى) أي: المشي ليلًا؛ لأنه بلغهم آمالهم، وأوصلهم قبل غيرهم إلى مآربهم، وأهدافهم، والفعل عند الإسناد إلى ضمائر الرفع المتحركة: ثلاثيًّا، ورباعيًّا يكون بالياء، لا بالواو، وأنَّ معظم مَنْ فسَّروا إنما ركنوا إلى الجذر اليائي (سرى ـ يسري) لا الواوي (سرا ـ يسرو) إلا في القليل النادر منهم من مال إلى الواوي اللام؛ ومن ثَمَّ، فأنا أميل في تفسير الإسراء إلى أنه قد أتى من يائي اللام، وذلك أكثر من مَيْلِي إلى واويِّها، وإنْ كانا بصورة، أو بأخرى يمكن أن يجتمعا، كما أوضحت سلفًا، لكنَّنا هنا في مقام التدقيق في الاستعمال، والتعمُّق في الاستدلال.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]