السبت 24 أكتوبر 2026 م - 13 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

الشمولية فـي معنى الأمانة «2»

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 02:47 م
430

أيها الأحباب.. توقف بنا الحديث عن شمولية الأمانة في حياتنا، وبها تحفظ المعارف والعلوم، وعليها الأعمال والمؤسسات تقوم، تلك أمانات مأمورون بأدائها، وألّا يتهاون أحد في ردها.

لذا فما أودعك الله من نِعَمٍ ومِنَنٍ، فهي أَمانة، وعطاء من المؤتمن، وما وهبك من أَعضاء وجوارح، يجب أَن تستخدمها في كل صالح، وإن هذا الكلام يبيّن أن كل نعمة أنعم الله بها على الإنسان، سواء كانت مادية أو معنوية، هي أمانة يجب حفظها وشكرها، فالله سبحانه هو المؤتمن الذي منح الإنسان هذه العطايا، لا ليبذّرها أو يفرّط فيها، بل ليستخدمها في الخير والطاعة.

ومن أعظم هذه النعم: الأعضاء والجوارح، كالسمع والبصر واليدين واللسان، وهي أدوات للعمل الصالح، لا يجوز توظيفها في المعصية أو الإفساد، فالمؤمن مسؤول عن هذه الأمانات، ومحاسب على كيفية استعمالها، وكلما أحسن استخدامها في طاعة الله، كان ذلك من شكر النعمة وأداء الأمانة، كذا ما وهبك الله ـ جلّ وعلا ـ من مال أمانة أيضاً، فلا تنفقه إلا فيما يحب ويرضي، عَنْ مُعَاذٍ بنِ جَبَلِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرِهِ، فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وعَنْ شَبَابِهِ، فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكتسبه؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟) (رواه الترمذيُّ وابن حبان)، الحديث يُرسي قاعدة عظيمة في الإسلام: أن الإنسان مسؤول عن كل ما أُوتي من وقت، وقوة، ومال، وعلم، وأنه لا يُغادر موقف الحساب حتى يُجيب عن هذه الأسئلة.

وهو دعوة للتأمل والمراجعة، ولاغتنام الحياة قبل فوات الأوان، فالإنسان مسؤول «عن عمره فيما أفناه» أي يُسأل الإنسان عن حياته كلها: كيف قضاها؟ هل كانت في طاعة الله أم في اللهو والغفلة؟ فالعمر رأس المال، وكل لحظة فيه محسوبة، وهو مسؤول «عن شبابه فيما أبلاه» وهي أهم مرحلة في عمره، مرحلة الشباب هي زمن القوة والنشاط، ويُسأل عنها على وجه الخصوص لأنها مظنة الشهوات والانحراف، فهل استُغلت في الخير أم أُهدرت في المعاصي؟، وهو مسؤول «عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟» يُسأل الإنسان عن مصدر ماله: هل كان من حلال أم من حرام؟ ثم يُسأل عن مصارفه: هل أنفقه في طاعة أم في تبذير ومعصية؟ فالمحاسبة مزدوجة: في الكسب والإنفاق، وهو مسؤول «وعن علمه ماذا عمل فيه؟»، فالعلم مسؤولية عظيمة، فلا يكفي أن يعرف الإنسان الحق، بل يجب أن يعمل به، ويبلّغه، ويُنتفع به، وإلا كان حجة عليه لا له، ومن الأَمانة أَن تحفظ ما لديك، وكذلك كل من تحت يدك، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ).

أَخي في الله.. وما وهبك الله من أولاد وذرية، من أعظم الأمانات والمسئولية، فكل من المرأة والرجل مسؤول، عن عمله أو عمن يعول، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (رواه أحمد وأبو داود والبيهقي)، فالعمل الذي وُكِلَ إِليكم أمانة، وإِضاعته نقض عهد وخيانة.. وللحديث بقية.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]