الأربعاء 14 أكتوبر 2026 م - 3 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

لماذا بقيت سلطنة عمان بعيدة عن الصراعات فـي محيط إقليمي متوتر؟

لماذا بقيت سلطنة عمان بعيدة عن الصراعات فـي محيط إقليمي متوتر؟
الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 02:56 م

خميس بن عبيد القطيطي

20

في منطقةٍ تتقاذفها التوتُّرات والأحداث، بقيت سلطنة عُمان بعيدةً عن تلك الصراعات. وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف تمكنت سلطنة عُمان من تجنيب نفسها هذه الصراعات والاستقطابات في ظلِّ هذا المحيط المضطرب؟ لا شك أنَّ هناك منظومةً متكاملةً من الثَّوابت السياسيَّة، والحكمة في إدارة العلاقات الدوليَّة، والوعي بطبيعة الجغرافيا والتاريخ، فضلًا عن إرثٍ حضاريٍّ واجتماعيٍّ أسْهَم في تشكيل الشخصيَّة العُمانيَّة؛ فقد قامت السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة على نهجٍ متوازنٍ اعتمد الحياد الإيجابي، الذي لا يعني الانعزال عن قضايا المنطقة، بل الاحتفاظ باستقلال القرار الوطني، وتجنُّب الانجرار إلى المحاور والاستقطاب السياسي، مع الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحةً مع مختلف الأطراف. ومن هذا المنطلق، لم تنظر سلطنة عُمان إلى الخلافات السياسيَّة باعتبارها مبررًا لقطعِ العلاقات، بل فرصةً للبحث عن المساحات المَرِنة التي يمكن من خلالها تقريب وجهات النظر، واحتواء الأزمات قبل أن تتحولَ إلى مواجهاتٍ يصعب احتواؤها.

الرؤية العُمانيَّة تجلَّت في صِدق السياسة العُمانيَّة، واعتمادها على المبادئ الإنسانيَّة والإخلاص والرَّغبة الصَّادقة في أن يعمَّ السَّلام والاستقرار جميع الأرجاء. ولا شك أنَّ بناء الثِّقة بين الدول لا يتحقق بالشعارات، بل بوضوح المواقف، واحترام الآخرين، وعدم التدخل في شؤونهم، والابتعاد عن ازدواجيَّة المعايير. وحين تكون الدَّولة صادقةً مع نفسها ومع الآخرين، يُصبح من الممكن فَهْمُ سياستها والتعامل معها على أساسٍ من الثِّقة المتبادلة. وقد شكَّلت هذه الثِّقة أحَد أهمِّ المرتكزات التي عزَّزت حضور الدبلوماسيَّة العُمانيَّة في الوساطات بين الدول والفرقاء، ورسَّخت صورة عُمان المُشرِقة بين دول العالم، في حين لم تتخلَّ عن مصالحها أو استقلال قرارها.

القيادة السياسيَّة في سلطنة عُمان تحمل إرثًا تاريخيًّا متراكمًا في إدارة شؤون الدَّولة والعلاقات مع المحيط. فقد تعاقب على عُمان سلاطين عظامٌ من أُسرٍ حاكمةٍ أسْهَمت في حضور عُمان على الصعيد الدولي، ومن أبرزها أُسرة آل بوسعيد التي تعود جذورها إلى القرن الثامن عشر الميلادي، والتي راكمت عبر مراحل حكمها خبراتٍ سياسيَّة ودبلوماسيَّة أسْهَمت في تشكيل ملامح الدَّولة العُمانيَّة الحديثة، وتجلَّت في العقود الماضية منذ تولِّي السُّلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ مقاليد الحُكم في البلاد، لِيواصلَ جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ السَّير على النهج نفسه، ولله الحمد؛ ما شكَّل امتدادًا لمسار الدَّولة العُمانيَّة في الحفاظ على السَّلام والاستقرار، وصون السيادة، وتطوير العلاقات الإقليميَّة والدوليَّة. ولا شك أنَّ القيادة الحكيمة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات حين تقع، بل كذلك بقدرتها على تجنُّب أسبابها، واستشراف مخاطرها، والسَّير على مسارٍ سياسيٍّ حكيمٍ ونهجٍ قويمٍ قادرٍ على احتواء الأزمات وسط إقليمٍ مضطربٍ، مع المحافظة على استقلال القرار العُماني، وتجنُّب المغامرات غير المحسوبة، وهو من أهم مُقوِّمات الدول والشعوب.

الشَّعب العُماني أيضًا يُعَدُّ ركيزةً أساسيَّة في هذه التجربة العُمانيَّة؛ فهذا الشَّعب، بما عُرف عنه من تسامحٍ واعتدالٍ واعتزازٍ بالهُوِيَّة الوطنيَّة، يُمثِّل سندًا حقيقيًّا لنهج الاستقرار والتعايش. وقد أسْهَم الإرث الحضاري والتاريخي، وانفتاح عُمان على شعوبٍ وثقافاتٍ متعدِّدةٍ، في ترسيخ ثقافة احترام الغير، واحتواء الاختلافات، والتعايش مع الآخر، والبحث عن المشتركات، والإيمان بأنَّ أمْنَ الوطن لا ينفصل عن أمن محيطه. كما أنَّ هذه الحالة الشَّعبيَّة العُمانيَّة المتأصِّلة عبر قرونٍ تحكمها قراءةٌ واقعيَّة مسؤولةٌ لمصالح البلاد، إضافةً إلى الغيرة على الوطن والحرص على صون سيادته ومكتسباته، وهو ما ترسَّخ في الشَّعب العُماني الوفي، وتجلَّى في أكثر من اختبارٍ خلال العقود الخمسة الماضية.

التجربة العُمانيَّة تقدِّم دلالاتٍ مهِمَّة في محيطها العربي، تُؤكِّد أنَّ الأزمات والخلافات الإقليميَّة لا تُحلُّ من خلال عسكرة المنطقة وتحشيدها بالقِطع الحربيَّة، أو التدخل في شؤون الآخرين، أو الاصطفاف في استقطاباتٍ ومحاور، بل من خلال الحوار والتفاهمات التي تصنعها الثِّقة، والمكانة التي ترسِّخها المصداقيَّة، واحترام الآخرين، والقدرة على التواصل معهم. كما أنَّ المحافظة على هذا النهج الحكيم ليست سهلةً في ظلِّ تزايد الاستقطاب والضغوط على دول المنطقة؛ ما جعل استمرار السياسة العُمانيَّة المتوازنة اختبارًا حقيقيًّا نجحت فيه سلطنة عُمان في ظلِّ هذه المتغيِّرات والتوتُّرات المحيطة. كما أنَّ الحالة العُمانيَّة تجلَّت في قدرتها على حماية نفسها وقول كلمتها الشجاعة في وسط هذه التوتُّرات؛ لذا جعلت سلطنة عُمان السَّلام خيارًا استراتيجيًّا يُعَدُّ من أهمِّ دلالات التجربة العُمانيَّة.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]