الأربعاء 14 أكتوبر 2026 م - 3 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

الاستراتيجية الوطنية للتقنيات المالية .. طموح وطني وفرص واعدة

الاستراتيجية الوطنية للتقنيات المالية .. طموح وطني وفرص واعدة
الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 02:55 م

د. يوسف بن خميس المبسلي

10

تتسارع التحوُّلات في صناعة الخدمات الماليَّة عالميًّا، مع توسُّع المدفوعات الرَّقميَّة وتطبيقات الذَّكاء الاصطناعي وتطوُّر نماذج التمويل والاستثمار. ويأتي إطلاق الاستراتيجيَّة الوطنيَّة للتقنيَّات الماليَّة وبوَّابة عُمان للتقنيَّات الماليَّة في سبتمبر (2026)، لِيدعمَ بناء منظومة وطنيَّة أكثر ابتكارًا وتنافسيَّة، ويُعزِّز استقطاب الاستثمارات وتمكين روَّاد الأعمال، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

وتكتسب هذه الخطوة أهميَّتها في ظلِّ عودة الزَّخم إلى الاستثمار العالمي في القِطاع. فوفقًا للتقرير الصادر عن شركة «كي بي إم جي»، بلغت الاستثمارات العالميَّة (103.1) مليار دولار أميركي خلال النصف الأول من (2026)، مقارنةً بـ(72.2) مليار دولار في النصف الثاني من (2025)، بزيادة تقارب (42.8%). وتشمل هذه الاستثمارات رأس المال الجريء والأسهم الخاصَّة وعمليَّات الاندماج والاستحواذ.

وجذب قِطاع المدفوعات (44.2) مليار دولار، بينما بلغت قِيمة الصفقات المرتبطة بالذَّكاء الاصطناعي في التقنيَّات الماليَّة (21.4) مليار دولار. ويُشير التقرير إلى تركُّز رؤوس الأموال في صفقات أكبر وشركات ذات نماذج أعمال مثبتة، بما يعكس سوقًا أكثر انتقائيَّة، ترتبط فيها فرص التمويل بقدرة الشركات على تحقيق قِيمة اقتصاديَّة والتوسُّع في خدماتها.

وعلى المستوى المحلِّي، أشار تقرير «سيدر وأي بي أس انتيليجيس» لعام (2025) إلى ارتفاع عدد شركات التقنيَّات الماليَّة في سلطنة عُمان من (26) إلى (42) شركة خلال عام، بنُمو يقارب (61.5%). ويبرز هذا التوسُّع أهميَّة تهيئة بيئة تساعد الشركات على تطوير منتجات تنافسيَّة، وتحويل الاهتمام بالسُّوق العُمانيَّة إلى مشروعات مستدامة تُسهم في تنويع الاقتصاد الوطني.

وتقدِّم مؤشِّرات المدفوعات الرَّقميَّة صورة أوضح عن الاستخدام الفعلي للخدمات الإلكترونيَّة. وحسب بيانات البنك المركزي العُماني التي نشرتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بلغت قِيمة معاملات بوَّابات الدَّفع الإلكتروني المحليَّة نحو (3.2) مليار ريال عُماني خلال (2025)، بنُمو قدره (76.3%) مقارنةً بعام (2024)، وتجاوز عدد المعاملات (168) مليون معاملة، بزيادة بلغت (150%). كما تخطَّت قِيمة معاملات أجهزة نقاط البيع (7.5) مليار ريال عُماني، بنُموٍّ قدره (33.2%).

وتُشير هذه المؤشِّرات إلى طلب متزايد يتيح للشركات العُمانيَّة تطوير حلول تسهِّل الدَّفع والتحويل وإدارة الأموال، وتخدم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة. وتتعاظم القِيمة الاقتصاديَّة لهذه الحلول عندما تعالج احتياجات واضحة، وترفع كفاءة المعاملات، وتوسّع الوصول إلى الخدمات، مع ضمان الأمان وسهولة الاستخدام.

وتوفِّر الاستراتيجيَّة الوطنيَّة إطارًا لتنسيق هذا التحوُّل، بالشراكة بين البنك المركزي العُماني وهيئة الخدمات الماليَّة وبرنامج «استدامة» بوزارة الماليَّة، إلى جانب الجهات المعنيَّة. وترتكز توجُّهاتها على تنظيم مَرِن يدعم الابتكار، وتعزيز الشمول المالي، وتطوير البنية الرَّقميَّة والكفاءات، واستقطاب الاستثمارات، مع الحفاظ على الاستقرار المالي والأمن السيبراني وحماية المستهلك.

وتترجم بوَّابة عُمان للتقنيَّات الماليَّة هذه التَّوَجُّهات إلى مسار عملي لِتيسيرِ دخول الشركات وروَّاد الأعمال إلى السوق، عبر توضيح المتطلبات وتبسيط إجراءات التقديم الأوَّليَّة، وربط المبتكرين بالجهات التنظيميَّة وشركاء المنظومة. وتكمن أهميَّتها في تعزيز وضوح الإجراءات والتنسيق، ومساعدة الشركات على تقييم جاهزيَّتها وتطوير حلولها ضِمن الأُطر المعمول بها.

غير أنَّ الانتقال من الفكرة إلى السوق يتطلب تكامل التمويل والإرشاد والاختبار والشراكات التجاريَّة. ومن المُهمِّ ربط برامج الاحتضان والتسريع باحتياجات فعليَّة لدى المصارف والمؤسَّسات الماليَّة، وإتاحة فرص للشركات الناشئة لاختبار منتجاتها وبناء قاعدة عملاء. فالتمويل المبكر يدعم تطوير المنتج، بينما تساعد الشراكات على إثبات جدواه وتحقيق إيرادات مستدامة.

وتُشكِّل تنمية الكفاءات الوطنيَّة ركيزة لنجاح هذا التحوُّل، عبر الجمع بين المعرفة الماليَّة وتحليل البيانات والأمن السيبراني وإدارة المخاطر. وهنا يبرز دَوْر مؤسَّسات التعليم العالي في إعداد الكفاءات المتخصِّصة؛ إذ تُسهم كليَّة الدراسات المصرفيَّة والماليَّة ـ على سبيل المثال ـ في هذا المجال من خلال برامجها الأكاديميَّة والمهنيَّة، ومنها الشهادة المهنيَّة في التقنيَّات الماليَّة والشهادة المهنيَّة في حوكمة التقنيَّات الناشئة. ويُعزِّز مركز التميُّز في التقنيَّات الماليَّة بالكليَّة هذا الدَّوْر عبر التدريب والبحث التطبيقي والشراكات مع القِطاع المالي، بما يُسهم في تأهيل كوادر قادرة على تطوير حلول مبتكرة تُلبِّي احتياجات السُّوق.

وتتَّصل هذه الجهود بطموح عُمان لتعزيز موقعها في مؤشِّر الابتكار العالمي؛ إذ استقرَّت في المرتبة الـ(69) من بين (139) اقتصادًا في عام (2026)، وتقدَّمت ثماني مراتب في مدخلات الابتكار لتصل إلى المرتبة الـ(47) عالميًّا. وتُتيح التقنيَّات الماليَّة فرصةً لتحويلِ هذه الممكنات إلى مخرجات ملموسة، عبر البحث التطبيقي واحتضان الشركات وتطوير منتجات قابلة للتوسُّع.

ولقياس أثَر الاستراتيجيَّة، ينبغي متابعة الاستثمارات المستقطبة، واستمراريَّة الشركات الناشئة، والحلول المنتقلة إلى الاستخدام التجاري، والوظائف المتخصِّصة المتاحة للعُمانيين، إلى جانب تحسُّن الوصول إلى الخدمات وجودتها وتكلفتها وأمانها.

إنَّ إطلاق الاستراتيجيَّة الوطنيَّة للتقنيَّات الماليَّة يهيئ لمرحلة جديدة في تطوير القِطاع المالي العُماني، ويبقى تحقيق أثَرها مرهونًا بجودة التنفيذ وتكامل الجهود. وعندما تلتقي البيئة التنظيميَّة الواضحة مع التمويل المناسب والكفاءات المؤهلة واحتياجات السُّوق، تصبح التقنيَّات الماليَّة مصدرًا لفرص اقتصاديَّة أوسع، ومحركًا لتنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيَّته.

د. يوسف بن خميس المبسلي

كاتب وأكاديمي عماني