تفرض اعتداءات الاحتلال «الإسرائيلي» المتصاعدة على الشَّعب الفلسطيني ضرورة توفير حماية دوليَّة تصون حياته وأرضه ومقدَّساته، وتُوقِف سياسات الاستيطان والتهجير التي تستهدف تقويض وجوده وحقوقه الوطنيَّة. فاستمرار استهداف السكَّان في منازلهم، ومصادرة أراضيهم، والاعتداء على ممتلكاتهم ومصادر رزقهم، يهيئ ظروفًا تدفعهم قسرًا إلى الرحيل، ويتيح للاحتلال توسيع سيطرته وتغيير الواقع السكَّاني والجغرافي للأرض المُحتلَّة. وتكشف الممارسات عن ترابطٍ بين الاعتداء على الإنسان والاستيلاء على الأرض، بما يُهدِّد مُقوِّمات الدَّولة الفلسطينيَّة، ويعمِّق أسباب الصراع، ويجعل حماية الفلسطينيين مسؤوليَّة دوليَّة تستوجب إجراءاتٍ تُوقِف الانتهاكات وتَضْمن بقاءهم الآمِن في مُدنهم وقُراهم. وتأتي دعوة جامعة الدول العربيَّة إلى تحرُّكٍ عربيٍّ ودوليٍّ عمليٍّ ومنسقٍ لوقفِ الاعتداءات، ومواجهة الاستيطان والتهجير، وصون المكانة القانونيَّة للقدس، تأكيدًا لضرورة ربط المواقف السياسيَّة بخطواتٍ توفِّر الحماية للشَّعب الفلسطيني وتحفظ حقوقه.
والاعتداءات المتواصلة على موسم قِطاف الزيتون توضِّح الصِّلة بين استهداف الإنسان الفلسطيني، ومحاولة انتزاع أرضه؛ فالشجرة التي تُحرق أو تُقتلع تُمثِّل موردًا تعيش منه أُسرةٌ، وعملًا امتدَّ عبر سنواتٍ، وارتباطًا بالمكان توارثته الأجيال. كما أنَّ منْعَ المزارعين من الوصول إلى حقولهم وسرقة محاصيلهم يحرمانهم من دخلهم، ويزيدان صعوبة الاستمرار في زراعتها. ويتَّصل ذلك بمصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، وما تفرضه هذه الإجراءات من تفتيتٍ للتجمُّعات الفلسطينيَّة وتعطيلٍ للتواصل بينها، الأمْر الذي يمسُّ مُقوِّمات الدَّولة الفلسطينيَّة وقدرتها على ممارسة سيادتها. ومن هنا، فإنَّ وقف الاستيطان وحماية الأراضي والممتلكات شرطان لصونِ الحقوق الفلسطينيَّة والحفاظ على فرص التَّسوية، ويستدعي تحقيقهما موقفًا دوليًّا يرفض الاعتراف بنتائج هذه السياسات، ويتَّخذ إجراءاتٍ تُوقِف توسُّعها وتمنع استفادة الاحتلال من استمرارها.
إنَّ حماية القدس ومقدَّساتها الإسلاميَّة والمسيحيَّة تقع في صميم الدِّفاع عن القضيَّة الفلسطينيَّة؛ لِمَا تحمله المدينة من مكانةٍ وطنيَّة ودينيَّة وإنسانيَّة، ولارتباطها بحقِّ الشَّعب الفلسطيني في إقامة دَولته المُستقلَّة وعاصمتها القدس الشرقيَّة. فالإجراءات التي تستهدف تغيير وضعها أو المساس بمكانتها القانونيَّة والسياسيَّة والدينيَّة تترك أثرًا مباشرًا في مستقبل التَّسوية، وتزيد أسباب التوتُّر في المنطقة. وتفرض هذه المكانة مسؤوليَّة صون المقدَّسات، وحماية حقوق أهل المدينة في الإقامة والعبادة والحياة الآمِنة، ومواجهة محاولات تغيير هُوِيَّتها وتركيبتها السكَّانيَّة. كما يتعيَّن على الدول احترام القرارات الدوليَّة المتعلِّقة بالقدس، والامتناع عن اتِّخاذ خطواتٍ، ومنها فتْحُ سفاراتٍ فيها، توفِّر غطاءً سياسيًّا للإجراءات «الإسرائيليَّة» أو تنتقص من الحقوق الفلسطينيَّة؛ ذلك أنَّ احترام المكانة القانونيَّة للمدينة يستلزم اتِّساق المواقف الدبلوماسيَّة مع الالتزامات المعلنة تجاهها.
إنَّ توحيد الموقف العربي يمنح التحرُّك لحماية فلسطين قوَّةً تتطلب تحديد أولويَّاتٍ واضحةٍ ومتابعة تنفيذها، عبر تكثيف العمل مع الأُمم المُتَّحدة والجهات الدّوليَّة المعنيَّة، وحشد التأييد لإجراءاتٍ تحمي المَدَنيين، وتُوقِف الاستيطان، وتدعم المساءلة عن الانتهاكات. وتشمل هذه المسؤوليَّة إنهاء المعاناة الإنسانيَّة في قِطاع غزَّة، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، ورفض تهجير سكَّانه أو اقتطاع أيِّ جزءٍ من أرضه، انطلاقًا من وحدة الأرض والشَّعب الفلسطيني، وارتباط مستقبل القِطاع بإنهاء الاحتلال. وتبقى جديَّة الجهود السياسيَّة مرهونةً بقدرتها على حماية الحقوق من التآكل تحت ضغط القوَّة، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المُستقلَّة ذات السِّيادة على خطوط الرابع من يونيو عام (١٩٦٧)، وعاصمتها القدس الشرقيَّة؛ فتلك هي الأُسُس التي تمنح السَّلام فرص الاستمرار، وتؤسِّس لاستقرارٍ يحفظ للشعوب حقوقها وأمنها.