الأربعاء 21 أكتوبر 2026 م - 10 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

عُمان من سوق للتجارة إلى بوابة للإنتاج

عُمان من سوق للتجارة إلى بوابة للإنتاج
الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 02:53 م

جودة مرسي

170

يقولون إنَّ الأرقام لا تكذب، وأرقام التوازن التجاري بين الصين والدول العربيَّة ـ وخصوصًا سلطنة عُمان ـ تكشف أنَّ الصين لم تَعُد مجرَّد مصنعٍ كبيرٍ يمدُّ الأسواق العالميَّة، ومنها العربيَّة، بالسِلع فقط، بل أصبحت قوَّةً تجاريَّة تُعِيد تشكيل مسارات الاقتصاد الدولي، وتفرض على شركائها البحث عن معادلاتٍ جديدةٍ تُحقق التوازن بين الاستيراد والاستثمار والإنتاج. وفي قلب هذه التحوُّلات، تبرز العلاقات الصينيَّة العربيَّة باعتبارها واحدةً من أهمِّ مساحات التفاعل بين اقتصادٍ صناعيٍّ ضخمٍ ومنطقةٍ تمتلك موارد الطاقة والموقع الجغرافي والأسواق الواعدة. والأرقام تعكس اتِّساع العلاقة؛ فبحسب بياناتٍ نشرتها وكالة الأنباء القطريَّة نقلًا عن مسؤولٍ بوزارة التجارة الصينيَّة، بلغ حجم التجارة بين الصين والدول العربيَّة نحو (407.4) مليار دولارٍ في عام (2024)، بزيادة (2.3%) على أساسٍ سنويٍّ، وبلغت الصادرات الصينيَّة إلى الدول العربيَّة (206) مليارات دولارٍ، مقابل وارداتٍ صينيَّة من المنطقة بقِيمة (201.4) مليار دولارٍ، بما يعكس تقاربًا نسبيًّا في قِيمة التدفُّقات التجاريَّة الإجماليَّة بين الجانبين. ولا تعني هذه الأرقام أنَّ المصالح الاقتصاديَّة العربيَّة والصينيَّة قد وصلت إلى مرحلة التوازن الكامل؛ فالتجارة الإجماليَّة تخفي اختلافاتٍ واسعةً بين الدول والقِطاعات، كما أنَّ توازن القِيَم لا يكشف وحده عن توزيع القِيمة المضافة، أو فرص العمل، أو حجم التكنولوجيا التي تنتقل إلى الاقتصادات العربيَّة. وبالنسبة إلى سلطنة عُمان، فإنَّ الشراكة تتجاوز النفط؛ حيث تقدِّم سلطنة عُمان نموذجًا مهمًّا لِفَهْم هذه المعادلة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين السلطنة والصين (36.73) مليار دولارٍ في عام (2024)، وفق بيانات وزارة الخارجيَّة الصينيَّة؛ لِتصبحَ الصين أكبر شريكٍ تجاريٍّ للسلطنة، فيما شكَّل النفط الخام الجزء الأكبر من واردات الصين من سلطنة عُمان. وتكشف البيانات العُمانيَّة عن جانبٍ آخر من الصورة؛ إذ تجاوزت قِيمة الواردات السلعيَّة من الصين (1.8) مليار ريالٍ عُمانيٍّ بنهاية (2024)، بينما تخطَّت الصادرات السلعيَّة العُمانيَّة غير النفطيَّة إلى السوق الصينيَّة (216) مليون ريالٍ عُمانيٍّ. وهذه الأرقام تخصُّ فئاتٍ تجاريَّة مختلفةً عن إجمالي التبادل الذي تعلنه الصين. وتكمن أهميَّة هذه العلاقة في أنَّ السلطنة لا تمتلك موارد الطاقة والموقع البحري فحسب، بل تمتلك أيضًا موانئ ومناطق اقتصاديَّة خاصَّةً يمكن أن تُشكِّلَ قاعدةً لتطوير الصناعات التحويليَّة، والخدمات اللوجستيَّة، وإعادة التصدير. وتُعزِّز هذه الفرصة مؤشِّرات الاستثمار؛ إذ أعلنت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُمانيَّة أن الاستثمارات الصينيَّة المباشرة في السلطنة بلغت نحو (854) مليون ريالٍ عُمانيٍّ بنهاية الرُّبع الثاني من عام (2025). كما طُرحت فرصٌ للتعاون في التجارة الإلكترونيَّة، والمخازن الذكيَّة، ومراكز التوزيع، إلى جانب التصنيع وسلاسل القِيمة المضافة في مناطق الدُّقم وصحار وصلالة. من حركة البضائع إلى صناعة القِيمة، هنا تحديدًا تتقاطع المصالح الصينيَّة مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ فالمطلوب ليس جذب رأس المال لمجرَّد زيادة أرقام الاستثمار، وإنَّما توجيهه إلى مشروعاتٍ تنقل المعرفة، وتدرِّب الكفاءات الوطنيَّة، وتوفِّر فرص العمل، وتزيد مساهمة الإنتاج المحلِّي في الصادرات. ويمكن للمناطق الاقتصاديَّة العُمانيَّة أن تؤدِّيَ دَوْرًا أكبر في استقطاب الصناعات الموجَّهة إلى أسواق الخليج والمنطقة العربيَّة وإفريقيا، مستفيدةً من الموقع الجغرافي، والبنية الأساسيَّة، والاتفاقيَّات التجاريَّة المتاحة، مع ضرورة تقييم الجدوى الاقتصاديَّة لكل مشروعٍ ومدى قدرته على خلق قِيمةٍ محليَّة حقيقيَّة. ولا يقتصر هذا التحدِّي على سلطنة عُمان؛ فالدول العربيَّة جميعها بحاجةٍ إلى إعادة النظر في كيفيَّة الاستفادة من الشراكة الصينيَّة، بحيث تتكامل التجارة مع سياسات التصنيع والتكنولوجيا وتنمية الصادرات، بدلًا من أن تظلَّ العلاقة محكومةً بتدفُّق المواد الأوَّليَّة في اتِّجاهٍ، والمنتجات المصنَّعة في الاتِّجاه الآخر. والمعادلة التي تستحق الاهتمام أنَّ مستقبل التجارة الصينيَّة العربيَّة لن تحدِّدَه الأرقام وحدها، بل قدرة الطرفين على تحويلها إلى تنمية مستدامةٍ ومصالح متبادلةٍ. وبالنسبة إلى سلطنة عُمان، فإنَّ الفرصة الحقيقيَّة لا تكمن فقط في استمرار تصدير النفط أو زيادة الواردات، وإنَّما في بناء قاعدةٍ إنتاجيَّة تستفيد من الشراكة الصينيَّة لتوسيعِ الصادرات غير النفطيَّة وتعميق التصنيع المحلِّي. فحين تتحول الموانئ من محطَّاتٍ لعبور البضائع إلى منصَّاتٍ للإنتاج، وتصبح الاستثمارات وسيلةً لنقلِ المعرفة، لا مجرَّد تدفُّقاتٍ ماليَّة، عندها فقط يمكن القول إنَّ الميزان التجاري بدأ يؤدِّي دَوْرًا يتجاوز حساب الصادرات والواردات إلى صناعة مستقبلٍ اقتصاديٍّ أكثر تنوعًا واستقلالًا، وهذا ما يُخطط له اقتصاديًّا، كما تنبئ الأرقام.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»