الاثنين 12 أكتوبر 2026 م - 1 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

حين يصبح الامتحان حياة!

حين يصبح الامتحان حياة!
الاثنين - 12 أكتوبر 2026 02:54 م

د. يوسف بن علي الملَّا

10

نقضي جزءًا أكبر من أوقاتنا مع مراهقين، بل وعدد من الأطفال، وهُم أحيانًا يشتكون من صداع متكرِّر، وآلام في البطن، وخفقان في القلب، وأرَق، على الرغم من أن الفحص السريري قد يكون سليمًا. وحين أسأل عن حياتهم، يتكرر الجواب نفسه تقريبًا: عندي اختبارات! صحيح أن الامتحانات مهِمَّة لمتابعة مستوى الطالب وتحصيله الدراسي، لكن أجزم هنا ـ وخصوصًا في المراحل الأولى الدراسيَّة ـ سيتعب جسد ذلك الطفل، بل ويتحول الامتحان إلى حالة دائمة تتنقل بين اختبار أُسبوعي وشهري ونصفي، وهكذا!

ولعلَّنا نعي جميعًا أنَّه عند التوتُّر يفرز الجسم هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، وهي في حقيقتها نظام إنذار مفيد يحسِّن اليقظة لوقتٍ قصير. لكن كيف ذلك حين يبقى الإنذار مفتوحًا أسابيع طويلة؟ طبيعي ذلك التوتُّر المزمن سيؤثِّر في المناطق المسؤولة عن الذَّاكرة والتركيز واتِّخاذ القرار؛ ولذلك سنرى كيف أن الطالب يقول إنَّه يعرف المادَّة، ولا يتذكر شيئًا أمام الورقة. هذا لا يدلُّ على ضعف في الذَّكاء طبعًا، بل على دماغ يعمل في وضع طارئ، وعندها يضعف التفكير العميق، ويتقدم الحفظ السريع الذي سينساه ذلك الطالب بسرعة، إن صحَّ القول.

ولكي أكونَ واضحًا، سيكون النوم هنا أول ضحايا الجدول المزدحم، وأخطر ما يسرق من ذلك الطالب وتلك الطفلة. بطبيعة الحال، يساعد النوم على ترسيخ ما تعلَّمه، ويرتِّب الذكريات، ويعالج الانفعالات. حيث بيَّنت دراسة هنا، وفي هذا السياق، أن أكثر من ثلاثة آلاف طالب تمَّت متابعتهم، وخرجت الدراسة في مارس الماضي لعام (٢٠٢٦م)، لِتؤكِّدَ أن ثُلث الطلاب ينامون أقلَّ من ستِّ ساعات في فترة الامتحانات. ومَن يسهر لِيحفظَ أكثر يدفع الثَّمَن مضاعفًا؛ بمعنى آخر: ذاكرة أضعف في الصباح، ومزاج أكثر توترًا وتقلبًا، وقدرة أقلّ على احتمال الضغط. وهكذا تتحول الدراسة، وللأسف، إلى حلقة مفرغة؛ فكلَّما زاد الضغط قلَّ النوم، وكلَّما قلَّ النوم زاد الضغط!

وهذا يأخذني إلى موضوع مرتبط بهذا السياق، ولكنَّه حقيقةً مقلق، ألا وهو صحَّة الطفل النفسيَّة! حيث نشرت جامعة بريطانيَّة، في فبراير (٢٠٢٦م)، دراسة تابعت قرابة خمسة آلاف شخص من سن الخامسة عشرة إلى الرابعة والعشرين. وجدت أنَّ ارتفاع الضغط الدراسي في سنِّ الخامسة عشرة ارتبط بزيادة احتمال الاكتئاب وإيذاء النفْس في سنِّ الشَّباب، وأنَّ كل نقطة زيادة في ضغط المدرسة ارتبطت بارتفاع بنحو ستة عشر بالمائة في احتمال محاولة الانتحار قبل سنِّ الرابعة والعشرين. بالتأكيد، علينا أن نكونَ دقيقين هنا؛ لأنَّ هذا ارتباط، وليس دليلًا على أنَّ الامتحانات وحدها تسبِّب الاكتئاب؛ فهناك عوامل طبعًا وراثيَّة وأُسريَّة واجتماعيَّة. لكن حين تتَّفق النتائج مع ما نراه بين الأطفال، ومع دراسات أخرى، لا يصحُّ أن نتجاهلَ هذه الإشارة.

من ناحية أخرى، قد يغيب عن الحساب أيضًا حالة الطفل أو الطالب الجسديَّة حين تأكل الامتحانات وقته؟ خصوصًا وأنَّ الرياضة ـ مثلًا ـ من أقوى العوامل الواقية من الاكتئاب والقلق، بل وإنَّ العلاقات الاجتماعيَّة الدَّافئة تعمل كحاجز نفسي في الأوقات الصَّعبة، كذلك الحال للَّعب والهوايات التي تعطي الدماغ راحة وفرحة لا يعوِّضها شيء. ولذلك دائمًا نقول بأنَّ الجانب الذِّهني والأنشطة الطلابيَّة ليست ترفًا حقيقةً، بل هي تدرِّب الطالب على المرونة وإدارة الانفعال وحل المُشْكلات، وهي مهارات تحميه نفسيًّا بقدر ما تنفعه مهنيًّا. ولعلِّي أنظر إلى ذلك الطفل حين يتعلم أنَّ قِيمته تساوي ما يكتبه في ورقة واحدة، فتتسلَّل إلى نفسه أفكار مثل: أنا فاشل، ولا أصلح! وهنا تكمن الكارثة؛ حيث إنَّها أفكار نعرفها جيِّدًا في الطِّب النفْسي؛ لأنَّها مدخل شائع إلى الاكتئاب والقلق المزمن!

طبعًا، لا أريد هنا أن أتركَ القارئ في صورة قاتمة؛ فالأمر قابل للإصلاح. فأنا لا أدعو إلى إلغاء الامتحانات؛ فالتقييم ضروري لِيعرفَ المُعلِّم والطالب أين يقفان. لكن عدد الامتحانات وتوقيتها ونوعها كلّها قابلة للتعديل. أوَلَيْسَ اختبار واحد جيِّد التصميم أفضل من اختبارات متتالية تقيس الحفظ؟ لذلك، الأفضل إدخال مشاريع مفيدة، والأهم ربط النجاح بالتقدُّم، لا بدرجة واحدة.

ختامًا، إذا كنَّا نريد جيلًا يفكِّر ويقاوِم صعوبات الحياة، فعلينا أن نحميَ دماغه وجسده ونفسه في سنوات تكوُّنها. وبشكل فعلي، تظلُّ الامتحانات أداةً مفيدة حين تُستعمل بقدر، أمَّا حين تتحول إلى نمط حياة، فهي تعمل ضدَّ الغاية التي وُضعت لأجْلِها... فشكرًا للابنة عائشة المُلَّا التي طرحت الموضوع لي، وتساءلت: هل ما نفعله بأبنائنا يحميهم، أم يُمرضهم، ونحن نظنُّ أنَّنا نُحسن إليهم؟

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]