الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 م - 2 جمادى الأولى 1448 هـ
أخبار عاجلة

بداية تحتاج إلى شرح

بداية تحتاج إلى شرح
الاثنين - 12 أكتوبر 2026 02:50 م

إبراهيم بدوي

10

عندما تسترجع الذاكرة شريط الحياة، وتحاول أن تنتقيَ منه محطَّات أحدثت تحوُّلًا في مسارك، بدءًا من قرار بترك كليَّة والتَّوَجُّه إلى أخرى، وصولًا إلى أن ترى مهنتك تنهار وتتغير أمامك، وتدفعك الظروف إلى خوض طريق آخر، تجد نفسك تتخلى طواعيةً عن موقع الخبير، وتسير في درب تتعلم فيه ممَّن يصغرونك بكثير؛ أنت الذي أمضيت سنوات تعرف تفاصيل مهنتك، وتُسأل ويُؤخذ برأيك، أصبحت مبتدئًا تلتمس المعلومة ممَّن هُم في نصف عمرك، وتراجع خطواتك، وتتردد قبل السؤال عن أمر يبدو لهم بديهيًّا. تحمل معك خبرةً طويلةً، وتحاول أن تعرفَ ما يصلح منها للطريق الجديد، وفي أثناء ذلك يأتيك من يسألك عن سبب التغيير، وعن جدواه بعد كل هذه السنوات، فتجد نفسك مطالبًا بشرح قرار ما زلت تتعرف إلى تبعاته، وبطمأنة الآخرين إلى طريق تحاول أنت أن تطمئنَّ إلى خطواتك فيه.

صحيح أنَّك أصبحتَ الآن مسؤولًا، ولديك مَن تلتزم بجودة حياتهم، وقراراتك بالتأكيد ستنعكس على مَن حولك، لكن تظل لك مساحة ذاتيَّة تحتاج إلى أن تصونَها، وأن تمنحَ نفسك فيها فرصة التعلُّم والتجربة وتعديل المسار. هنا لا أتحدَّث عن تجربة ذاتيَّة بقدر ما أسعى إلى أن أؤكدَ للأجيال القادمة أن زمن التغيير ليس له موعد، وأن تعديل المسار جزء من متعة الحياة. نعم، فالاستقرار أحيانًا يتحول إلى مرض عضال حين يجعلنا نؤجِّل كل رغبة في التجربة، ونتمسَّك بعمل فقدنا شغفنا به، ونحسب السنوات التي أمضيناها فيه سببًا كافيًا لقضاء بقيَّة العمر على الحال نفسها. والمسؤوليَّة تقتضي أن نحسبَ خطواتنا، ونفهمَ أثَرها على أُسرنا، ونهيئ ما نستطيع من أسباب الأمان، وتبقى رغباتنا وقدرتنا على النُّمو جزءًا من تلك الحسابات؛ فمن حق الإنسان أن يفسحَ لنفسه مكانًا في الحياة التي يجتهد لتوفيرِها لمن يُحب.

إنَّ الحياة ـ من وجهة نظري ـ مجموعة خبرات تتراكم؛ فقد تعلَّمت من الصحافة التواصل البنَّاء، وتعلَّمت في مشروعي الخاص الإقدام ودراسة السوق، وهي خبرات كان لها أثَر في عملي الحالي، وساعدتني على فَهْم جوانب منه والتعامل مع متطلباته. وأرى أن اتِّساع التجربة يستحق أن يصبحَ عادةً اجتماعيَّة نتقبلها ونشجِّع عليها؛ فتغيير العمل، أو العودة إلى الدراسة، أو تجربة مشروع، خطوات تمنح الإنسان فرصةً للتقدُّم واكتشاف قدراته. ولا أعني بتغيير العمل ترك كل ما تعرفه وراءك؛ فتطوير الذَّات في ظل التطور واندثار بعض المِهن أضحى ضرورةً، والخبرة السابقة تظلُّ رصيدًا نستفيد منه ونحن نتعلم ما يحتاجه الطريق الجديد. ومن المؤسف أن يجدَ الإنسان نفسه أمام أسئلة وتعليقات وأحكام كلَّما حاول تعديل مساره؛ بعضها نابع من محبَّة وحرص، وبعضها يحمل تصوُّرًا جاهزًا عن العمر المناسب للبداية والمهنة المناسبة لصاحبها. ومع كثرة الشرح، قد ينشغل بجعل قراره مقبولًا أكثر من انشغاله بإنجاحه.

أقول ذلك، وبعض أولياء الأمور لا يزالون يرون في اختيار المسار الدراسي، خصوصًا في الثانويَّة العامَّة أو الدبلوم العام، قرارًا يتحدَّد به مصير الحياة كلِّها، فيحمِّلون أبناءهم قلقًا يفوق قدرتهم على فَهْم هذه المرحلة، وكأنَّ اختيارًا في هذا العمر يغلق سائر الطُّرق. وأرى أن إحدى أهمِّ مهارات الحياة التي يجب أن نكسبَها أبناءنا هي المرونة في التعاطي مع مستجدَّاتها، والقدرة على مراجعة الاختيارات وتعديل المسار. نعلِّمهم القِيَم، ونساعدهم على فَهْم مسؤوليَّاتهم، ونترك دفَّة الحياة بأيديهم؛ فكما خضنا تجاربنا، وكانت لنا خُطى مشيناها، وأخطاء تعلَّمنا منها، لهم أيضًا تجارب يحتاجون إلى خوضها، وقرارات يتعلمون تحمُّل نتائجها. ونحن، بِدَوْرنا، نحتاج إلى تقبُّل موقع المتعلم مهما بلغ بنا العمر، فنقول: «لا أعرف»، ونسأل مَن يعرف، ونمنح أنفسنا وقتًا نفهم فيه التجربة قبل أن ننشغلَ بشرحها للجميع. وقد تعلَّمت أن أرفق بنفسي حين أرتبك أمام تفاصيل جديدة، وأن أمنحَ خطواتي فرصةً لِتنضجَ، وأحمل معي ما تعلَّمته، وأفسح مكانًا لِمَا لم أتعلَّمه بعد.

إبراهيم بدوي

[email protected]