تتميز عمان بأنها بلاد نموذجية في تعددها الثقافي الذي فرضته الجغرافيا والتاريخ ووحدته العروبة والإسلام، فُسيفساء جميلة قطعها البحر والجبل والصحراء، للبدو في سلطنة عمان ثقافة خاصة فرضها الترحال بين الصحاري المختلفة، هنا سأركز على التراث الشفاهي المرويّ للبدو، التراث الشفاهي اللامادي هو مجموع المعارف والتقاليد والتعبيرات الثقافية التي تتناقلها الأجيال عبر الكلمة المنطوقة والممارسة الشفهية جيلاً بعد جيل دون الاعتماد أساساً على التدوين أو الكتابة، أبرز أشكاله الأدب الشعبي المكوّن من الحكايات، والأساطير، والسير الشعبية والأمثال والحكم، تبرز أهميته في حفظ الهوية الثقافية معبّراً عن الذاكرة الجمعية للمجتمعات مما يمنحها شعوراً بالاستمرار والانتماء، يُعدّ من المصادر الرئيسية لمعرفة تاريخ المجتمعات وثقافتها الشعبية التي لم يُدوّن تاريخها كتابةً. وفي مقالٍ للكاتب فيصل خرتش يقول فيه إن التراث الشفاهي أدبٌ شعبي يعتمد على الصوت والسمع ويحتاج الى اجتماع طرفيه: المتحدث والمستمع في مكانٍ واحد وزمانٍ واحد بينما التراث المكتوب انفصالي وانعزالي لا يحتاج إلى اجتماع القاريء والكاتب، ولأهمية التراث الشفهي حثت اليونيسكو شعوب الأرض على نشر ما لديها من فولكلور شفاهي وأصدرت اتفاقية الحفاظ على التراث اللامادي في العام 2003، هو فلسفة في المعرفة وطرائق نقلها وقدرة فريدة على تشكيل الذاكرة الجمعية عبر المستودع الشفوي، الصحراء توصف دوماً بالقاحلة، لكنها مع البدو وهم يروون حكاياتهم ليست قاحلة مطلقاً، فيما ثغاء الإبل يردد أبيات مالك بن فهم
تحِنُّ إلى أوطانها إبل مالكٍ .. ومن دونها عَرْضُ الفلا والدَّكادك
وفي كل أرضٍ للفتى مُتقلبٌ ولستُ بدار الذلِّ طوعاً برامك
والبدو بطبيعة الحال والأحوال لهم ثقافتهم الخاصة القائمة على الترحال بين الصحاري ورعي الإبل، وبالتأكيد لديهم تراثهم الشفوي الخاص بهم وإن كان يتماشى ولا يتماهى في عدة جوانب مع التراث الشفهي العماني بشكلٍ عام، لهم قصص وأساطير وحكايات خاصةً بهم ، لكن هل تمَّ تدوين هذا التراث؟!!.
عبر استفسارات مع مجموعة من الأكاديميين والكُتّاب والهيئات لم أتوصل مُطلقاً إلى كتابٍ واحد يظم حكايات وقصص البدو، فقط توجد بعض الدراسات في الموسوعة العمانية مع التركيز على محافظة الوسطى، وقد أفادني أحد أصدقاء الروح بأن أول توثيق لحكايات البدو في عمان كان للمستكشف البريطاني برترام توماس (1892–1950) في كتابه «الأرض السعيدة»، نعم توجد دراسات بين فترة وأخرى حول هذا التراث ولكن لم أجد كتاباً حوله.
في سيلٍ جارف من وسائل التواصل (التي هي في أساسها تباعد)، وسيطرة وسائل الإعلام على ما تبقى من العقل البشري لا بُدّ من تدوين التراث الشفوي ليس للبدو وحدهم بل كافة مُكوّنات المجتمع العماني، وهنا أقترح تشكيل فريق من الكُتّاب والأكاديميين وطلّاب الجامعات لجمع ما تبقى من هذا التراث لأنه جزء مهم من هوية الوطن العماني وسيساهم في الحدّ من حالة التشظي الثقافي الذي نعيشه بسبب ما يطلق عليه الثورة المعلوماتية وسيطرة وسائل التواصل على الأدمغة ، يمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى في الحفاظ على التراث المرويّ مثل تجربة فرنسا التي أوفدت باحثين الى ولاية كيبك في كندا لجمع القصص الشعبية الفرنسية التي حملها معهم قدامى المهاجرين الفرنسيين إليها، وبالفعل جمعوا آلاف القصص والمرويات القديمة أو التجربة السورية عندما تم تكليف بعض طلاب الدراسات العليا في جامعة حلب بأن يتجولوا في المدينة لجمع كل الكتابات على جدران المدينة وتدوينها في كتاب.
في حالة ما قمنا بهذا سوف نجد ما نرويه لأبنائنا وأحفادنا مما كان يتسامر به البدو على ضوء القمر ولمعان النجوم في الفيافي، ما كان تُسلي به الجدات وهن يسدلن شعر بنات البدو الجميلات، تتعب الألسنة من الكلام لكن الحكايات والقصص لا تتعب مطلقاً.
ناصر المنجي
كاتب عماني