ليس كل مُعلِّم نلتقيه في سنوات الدراسة يبقى معنا بعد أن نغادرَ مقاعد المدرسة، فبعضهم ينتهي حضوره بانتهاء الحصَّة الأخيرة، وبعضهم الآخر يغادر الفصل، لكنَّه لا يغادر الذاكرة. فهناك مُعلِّمون لا نتذكر أسماء دروسهم، ولا صفحات الكتب التي شرحوها، ورُبَّما لا نستطيع استعادة كثير من المعلومات التي قدَّموها لنا، لكنَّنا نتذكر وجوههم، ونبرة أصواتهم، وابتساماتهم، وطريقة تعاملهم معنا، ومواقفهم التي صاغوها فسكنت ذاكرتنا إلى الأبد. نتذكر موقفًا صغيرًا حدَث قَبل سنوات طويلة، لكنَّه ظلَّ حيًّا في داخلنا، وكأنَّ الزمن لم يستطع أن يمحوَ تفاصيله.
المُعلِّم الذي يسكن الذاكرة ليس بالضرورة ذلك الذي كان أكثر صرامةً، أو الذي كان يملؤ السبورة بالمعلومات، وإنَّما قد يكون ذلك الذي رأى في طالب خجول قدرةً لم يرَها هو في نفسه، أو الذي منح طالبًا متعثرًا فرصةً جديدةً بدل أن يحكمَ عليه بالفشل، أو الذي قال كلمة تشجيع في الوقت الذي كان الطالب فيه بأمسِّ الحاجة إليها. المُعلِّم الذي يسكن في الذاكرة هو مَن يؤمن بقدرات الطالب أكثر من إيمانه هو بنفسه.
فكم كلمة نطق بها المُعلِّم داخل الفصل عاشت أطول من الدرس في نفس الطالب! نعم، قد ينسى الطالب ما تعلَّمه في اختبار مرَّ عليه منذ سنوات، لكنَّه قد يتذكر مُعلِّمًا قال له: «أنا أثق بك». وقد لا يتذكر تفاصيل المرحلة الدراسيَّة، لكنَّه يتذكر مُعلِّمةً لم تسمح له أن يشعرَ بأنَّه أقلّ من الآخرين. ورُبَّما يمضي العمر، وتتغيَّر المِهن والأماكن والوجوه، بينما تظلُّ عبارة قالها مُعلِّم في لحظة عابرة حاضرةً في الذاكرة.
وهنا تكمن عظمة التعليم؛ فالمُعلِّم لا يصنع المعرفة وحدها، وإنَّما يشارك في بناء الإنسان، ويضيف إلى تكوينه. لقد تراجع دَوْر المُعلِّم المعرفي في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحةً للجميع، وأصبح بإمكان الطالب الوصول إلى آلاف المصادر التعليميَّة خلال ثوانٍ، فتزداد قِيمة الجانب الإنساني التربوي في دَوْر المُعلِّم. فالتقنيَّة تستطيع أن تشرحَ، والمنصَّات تستطيع أن تدربَ، والذَّكاء الاصطناعي يستطيع أن يُقدِّمَ إجابات لأسئلة كثيرة، لكن المُعلِّم وحده يستطيع أن يلتقطَ ذلك القلق في عيني طالب، أو يلاحظ تراجعًا مفاجئًا في مستواه، أو يدرك أن خلف الصَّمت مُشْكلةً تحتاج إلى احتواء قبل أن تحتاجَ إلى شرح.
المُعلِّم الذي يسكن الذاكرة هو الذي جعل الطالب يشعر بأنَّه مُهمٌّ، وأنَّ صوته مسموع، وأنَّ الخطأ ليس نهاية الطريق، وأنَّ الفشل ليس تعريفًا لشخصيَّته. فتكريم المُعلِّم لا ينبغي أن يكونَ مرتبطًا بيوم واحد في العام؛ فالمُعلِّم يحتاج إلى التقدير في كل يوم يمارس فيه مهنته، وإلى بيئة تحفظ له مكانته، وتمنحه فرصة التطوُّر، وتقدِّر جهده، وتدرك أن ما يُقدِّمه لا يمكن قياسه دائمًا بالأرقام والنتائج.
ورُبَّما أجمل ما يمكن أن يحصلَ عليه المُعلِّم، بعد سنوات قضاها في التربية والتعليم وتنشئة الأجيال، أن يلتقيَ بأحَد طلابه وقد أصبح طبيبًا، أو مهندسًا، أو إعلاميًّا، أو أكاديميًّا، أو ربَّ أُسرة، فيسمع منه جملةً بسيطةً معانيها عميقة: «كنتَ أحد الأسباب التي جعلتني أؤمن بنفسي، فأنتَ أضفتَ إلى تكويني». فصناعة الإنسان هي أعظم مهنة، وبناء الشخصيَّة هو أسمى أنواع العطاء. عندها فقط يدرك المُعلِّم أن بعض جهوده التي ظنَّ أنَّها انتهت مع نهاية الحصَّة باقية على مرِّ السنوات. لم يقتصرْ مكانها على الفصل، بل حلَّقت إلى جميع آفاق الحياة، ومن أوراق الكتاب إلى بناء الشخصيَّة، ومن اللحظة العابرة إلى الذاكرة، ومن كلمات تنطقها الشفاه لِتضيفَ إلى تكوين الطالب.
في يوم المُعلِّم، نتذكر أن هناك مُعلِّمين لا تنتهي حصصهم بانتهاء الدرس، ولا يقتصر دَوْرهم على توصيل المعلومات، بل يمتدُّ إلى بناء الشخصيَّة، وصناعة الإنسان، وصياغة قادة المستقبل؛ لأنَّهم تركوا فينا درسًا لا يحتاج إلى كِتاب، ولا إلى اختبار، ولا إلى شهادة. إنَّهم أولئك الذين يسكنون الذاكرة. أيُّها مُعلِّم الأجيال، احرص على أن تسكنَ ذاكرة طلابك، تغنم دنياك وآخرتك.
دُمْتُم سالِمِين، يا صانعي الأجيال.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@