استكمالًا لمواضيع «السوشيال ميديا» وغرائبها، سنتحدث اليوم عن موضوع غريب وعجيب في نفس الوقت مرتبط بهذا الجانب. فلك أن تتخيل ـ عزيزي القارئ ـ بأنَّك مهما ملكت من مبالغ ماليَّة لشراء سلعة معيَّنة، فإن الشركة التي تبيع هذه السلعة لن تبيعَك إيَّاها لمجرَّد أن لديك المال فقط؛ فالمال هو آخر الشروط التي تفكِّر فيها الشركة لكي تبيعَك هذه السلعة. فلا بُدَّ من جوانب وشروط أخرى غير المال المدفوع لشرائها يجب أن تحققَها أولًا، ومن أهم الشروط أن تكونَ مشهورًا عبر حسابات «السوشيال ميديا»؛ فالمال وحده لا يستطيع أن يمنحَك هذه السلعة، وعليك أن تضطرَّ للانتظار سنوات عديدة للحصول على هذه السلعة.
أتحدَّث هنا ـ مثلًا ـ عن ماركة ساعات معروفة لا يمكن أن تحصلَ عليها لمجرَّد أن مبلغها موجود معك، بل تضطر للحصول عليها إلى الانتقال إلى السوق الموازية، والتي تُسمَّى بالسوق السوداء، حيث يبلغ سعرها أضعاف سعرها الأصلي في بوتيك هذه السَّاعة. ما الذي يحدُث باختصار؟ كما هو معروف، فإن التسويق يلعب على موضوع الجانب النفسي الذي يجعل الإنسان يسعى للحصول على ما لا يستطيع الحصول عليها بالطريقة العاديَّة؛ فكلَّما كانت السلعة نادرة، كانت الرغبة للحصول عليها أكثر شغفًا. قاعدة معروفة، ولكن الأمر هنا لا يرتبط بالندرة بمعناها الحقيقي، بل بشروطها التعجيزيَّة، لدرجة أن هذه الشركة قامت بطرح ساعات أقلّ قِيمة وجودة من أجلِ القيام بشرائها والحصول على بطاقة العضويَّة، لِيتمَّ لك السَّماح لاحقًا بالحصول على العلامة (الماركة) المعروفة، وبعدد سنوات أقلّ من الانتظار. بمعنى أن السعر هنا ليس له قِيمة، بل الشروط الأخرى هي المحرِّك الأساس، وهذا تغيُّر كبير في عالم التسويق لم نرَه إلَّا مع تطوُّر «السوشيال ميديا» وما تبعها من لهاث وراء المظاهر، وكيفيَّة ربط المظاهر بعمليَّة الحصول على السلع، في تداخل غريب وعجيب في آنٍ واحد.
رُبَّما يجرُّنا هذا الأمر لمعرفة مقدار التغيُّر في الوظائف التي بدأت شركات الذَّكاء الاصطناعي في استقطابها، والمتمثلة في وظائف علم النفس بجميع فروعه. قد نستغرب هذا التوجُّه ونقول: كيف لوظائف مثل هذه أن يتمَّ الطلب عليها وهي بعيدة عن مجال التقنيَّة؟ ولكن عندما نرى أن كل ما يَدُور من تطوُّر تقني يجب أن يراعيَ طبائع وسلوكيَّات البشر، ندرك حينها أن الأمر برُمَّته مترابط، ولا يمكن فصل مُكوِّناته عن بعض؛ فعِلم التسويق يرتكز على هذا الجانب المرتبط بتفكير البشر وكيفيَّة سعيهم للحصول على مبتغاهم، والأساس هنا سهولة وصعوبة الحصول على ما يريدون. ولكن التطوُّر الحاصل يتمحور حول تغيُّر الأُسُس والشروط في عمليَّة الحصول على هذا المنتج دون غيره؛ فالأمر أصبح أصعب بكثير عن ذي قَبل، فالمال فقَدَ بريقه أمام وجود الشهرة، فأصبحت الشهرة أهم من المال للحصول على الأشياء المميزة، وبالتَّالي أصبحت الأشياء المميزة سبيلًا آخر للشهرة، وهكذا دواليك. من هنا بدأ يتراجع المال وتتقدم الشهرة، فأصبحت طريقة الحصول لا تكتفي بوجود المال فقط. كل ذلك كان بحاجة لتغوُّل «السوشيال ميديا» وتطوُّرها لكي يتمَّ ـ في النهاية ـ إيجاد مصدر آخر غير المال لا بُدَّ من وجوده لِتستطيعَ الحصول على النوادر من الأشياء. كل ذلك كان يتطلب دراسة واعية لسلوك البشر وطبائعهم في الشراء.
مَن يعيش لِيبهرَ الآخرين سيظلُّ في دوَّامة لا تنتهي. مَن يحبُّ التَّباهي سيتعب عاجلًا أم آجلًا. إنَّ الأساس الذي تقوم عليه الرأسماليَّة المتوحشة هو نشر السعار الشرائي بين البشر، وتتفنن في تطوير آليَّاتها الرخيصة التي تجعل من حياتهم ميدانًا للتَّباهي. هنا، عندما ظهر مَن يمتلكون المال، ظهرت معايير أخرى لكي تظلَّ الدائرة مستمرَّة والحلقة تَدُور. آخر إحصائيَّة تقول إنَّه من بداية هذا العام (2026) زاد عدد المليونيرات الجُدد إلى مليون مليونير، ولكن كم واحدًا منهم وصل لمرحلة الشهرة؟ إذن، هنالك حاجة ماسَّة إلى وجود معايير أخرى لاستمراريَّة توسُّع وتغوُّل المظاهر الخدَّاعة ـ كما قُلنا ـ غير المال؛ وهي الشهرة.
د. خصيب بن عبدالله القريني