الأحد 11 أكتوبر 2026 م - 29 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا»

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا»
السبت - 10 أكتوبر 2026 02:56 م

سعود بن علي الحارثي

10

الأخلاق رُقي إنساني، ذَوق وأناقة، وما أدراك ما الأخلاق في معناها هذا، هي القاعدة والأساس لكل تقدُّم وتطوُّر ونهضة ورُقي، الرحمة والمروءة والاحترام والصِّدق والحُب والعدل والتضحية والأمانة والإخلاص في العمل، النابعة من القلب والضمير والإيمان العميق، لا تكلفًا وتزلفًا وتأثرًا وقتيًّا، تقبل النقد بروح عالية وتقدير الرأي الآخر، والتعلم والاستفادة من تجارب وعلوم الدول والأُمم المتقدِّمة وإن ناصبتنا العداء، وأحسسنا تجاهها كرهًا وخصومة... هي ممارسات إنسانيَّة فطر عليها الإنسان، تعبِّر عن النُّبل والسُّمو والرفعة، باعتبارها جزءًا أصيلًا وحيويًّا وأساسًا في منظومة عمله الدِّيني والدُّنيوي، ومعاملاته مع الأفراد والكائنات والجمادات والعناصر في محيطه وبيئته، ونظامًا مترابطًا متكاملًا يرسم شكل العلاقات ونهج الانتفاع وتبادل المصالح، وتوظيف الثروات والمكنات المتوافرة والمتاحة بطريقة عادلة تُحقق احتياجات جميع الأطراف بدقَّة متناهية تَضْمن المساواة والتوازن والرضا، والأمن والاستقرار والنُّمو والاستمراريَّة. وتَضْمن الكرامة الإنسانيَّة والسَّلام وحُريَّة التعبير والمعتقد... وقد كان العرب في جاهليَّتهم ـ أي في مرحلة ما قَبل الإسلام ـ يحتكمون في سلوكيَّاتهم وعلاقاتهم وفي تصريف شؤون حياتهم ومعاشهم إلى منظومة من القِيَم الأخلاقيَّة والمناقب والتقاليد المتجذرة التي يستحيل تجاوزها وتجاهلها أو الخروج عنها. فالكذب والجبن والبخل وقطع صلات الرَّحم، والتخلِّي عن الدفاع عن المظلوم والمقهور، وغيرها من الصِّفات المذمومة، تُشكِّل في أعرافهم وقوانينهم مسبَّة ومنقصة وعيبًا تضعف، وتحطُّ من مكانة ودَوْر وسُمو الإنسان المتَّصف بها، وتجعله في أدنى درجات السلَّم الاجتماعي منزلة وقدرًا، وتؤدِّي إلى نبذه واحتقاره بين الناس في مُجتمعه. وكانت تلك المُثل والقِيَم الأخلاقيَّة ـ وبالرَّغم من التمزُّق القَبلي والخلافات، والصراعات العميقة والحادَّة التي تنشأ بينهم لأتْفَه الأسباب ـ مصدر قوَّة واستمرار واحترام وحفاظ وحماية للشخصيَّة العربيَّة وخصوصيَّتها الثقافيَّة وتراثها ومناقبها وطبيعتها، ورصدت ووثَّقت كتُب التاريخ والمؤلَّفات الخاصَّة بـ»مناقب العرب»، قصصًا خالدة ومواقف مشرِّفة تجسِّد تلك القِيَم الأخلاقيَّة الرفيعة... ولا تستقيم حياة الإنسان، ولن تتحققَ النجاحات والغايات الحقيقيَّة من خلقه ووجوده على هذه الأرض لعمارتها وإصلاحها إلَّا بتلك القِيَم الرفيعة. والفرد الغيور على مُجتمعه الإنساني، الواعي والمُدرِك للأسباب والأهداف من خلقه، يشتدُّ ألَمُه ويتضاعف حزنه، ويتعمق خوفه عندما يقرأ ويرى ويسمع خبرًا أو مشهدًا أو فعلًا أو موقفًا يقدِّم دليلًا، ويضيف مؤشِّرا، ويعطي صورة قاتمة للمستوى الأخلاقي الذي

يعيشه المُجتمع، ويُؤكِّد على أنَّ القِيَم الأصيلة تتراجع والمشهد التربوي يعاني من خلَل عميق، وأنَّ الصورة الجميلة والناصعة والإيجابيَّة التي رسمت ثقافة وتاريخ وتقاليد وسلوكيَّات مُجتمعنا أُصيبت بسَقَمٍ... ففي ذلك جملة من المخاطر الجسيمة المتمثِّلة في شيوع الجهل والتخلُّف، وانهيار الأساسات والهياكل التي يعتمد عليها في تحقيق التقدُّم والحداثة واللحاق بالرَّكب الحضاري. فالسُّقوط الأخلاقي، وتداعي منظومة الثوابت والقِيَم الإنسانيَّة التي تحفظ للإنسان إنسانيَّته، هي التي تقوِّض الحضارات والإمبراطوريَّات والقوى والدول وتقود إلى تفكُّكها وضعفها وتهدُّمها... هذا وتتفاوت الخصائص والطبائع السلوكيَّة عند الإنسان حالها حال السِّمات الأخرى الخُلقيَّة، التي تختلف باختلاف الجينات الوراثيَّة والتربية والمستوى التعليمي والبيئة وثقافة المُجتمع وتقاليده... وللإنسان ـ في المقابل ـ خصوصيَّته التي تميِّزه عن بقيَّة الأجناس والمخلوقات، بحُكم ما يتميَّز به من انضباط وتوازن ومرونة تتَّصل بعقل يعقل أمرها، وتفكير يحكم عثراتها ويصلح خلَلها، عقل لديه من المكنات والتنبيهات ما يحفِّزه إلى نجدة الإنسان سريعًا، وإشعاره وتوجيهه بما هو صواب من السلوكيَّات والأعمال والقرارات وما هو خطأ. ولكل مُجتمع خصائصه وتقاليده السلوكيَّة التي يعرف بها في الحدود أو الفوارق التي تميِّزه عن الآخر، وبما لا يتجاوزه إلى ما هو متعارف ومتَّفق عليه من أخلاق ومُثل ضِمن الإجماع الإنساني. وللفرد في بيئته سلوكيَّات عامَّة يشترك ويتَّفق فيها مع غيره من الناس، ولا تُجيز له القوانين والنظام السَّائد وما اتّفق عليه أن يتعارضَ سلوكه وأعماله مع الإجماع العام بدعوى الحُريَّة، إن كان ذلك السُّلوك الذي ارتضاه يضرُّ بثقافة وأخلاق وأعراف المُجتمع. إنَّ السُّلوك المنضبط المتوازن والنبيل الذي يعود نفعه على الفرد ومُجتمعه يفصح عن عقل رشيد حكيم بصير في تقديره للأمور، وفي تجديد وتحديد مقاييسه وأُطره، وتلمُّس خطواته التي تقوده إلى السَّلامة، واستشعار الخطوط الفاصلة بين ما هو طبيعي ومقبول، وما هو مرفوض من العقل. ومتى ما أحسَّ الإنسان بالقلق، واختفت من محيَّاه إمارات الاطمئنان، واهتزَّت ثقته في تفكيره وأعماله وقراراته وسياساته، كان ذلك بدايةً لسُلوك مرفوض، مُدان لا يتوافق مع إنسانيَّة الإنسان، ونُبل أخلاقه، وسُمو مناقبه، وجسامة مسؤوليَّاته تجاه نفسه وأُسرته ومُجتمعه ووطنه... وهي لحظة زمنيَّة فاصلة، تفرض عليه أن يتوقفَ مع نفسه يراجع محتوى ومضامين توجُّهاتها ورغباتها وإلى أين تقوده؟ يقيِّم أفعالها وقراراتها وتصنيف تعاملها مع الآخر، يرى سلوكيَّاته من مرآة القِيَم والأخلاق والشرائع والأنظمة التي تحكم مُجتمعه، والصورة المطلَّة من عُمق تلك المرآة ستكون شارحة لذاتها عاكسة لماهيَّة تلك السلوكيَّات، فلا يكون الإنسان إنسانًا إلَّا بسلوكيَّاته المتَّسمة بالرُّقي والنُّبل، الجالبة للخير والمصالح المتَّسقة مع قِيمة العقل وحقيقته ومبتغاه، ومع الأهداف السَّامية من خَلقه. ولم تنزل الكتب السماويَّة ويبعث الرسل إلَّا بهدف تقويم سلوكيَّات الإنسان، وإعادتها إلى جادَّة الصواب، ومع حقيقة أن الإنسان مكرَّم بالعقل، وهو المخلوق الوحيد القادر على التمييز، الملم بواقعه ومسيرة حياته ومآلاته، عِلله، ضعفه، مثالبه، شيخوخته نهايته وموته.. وهي جميعها تطلب منه التعقل والاستيعاب والوعي والحكمة والتدبُّر، وبُعد النظر في تعامله، ورسم سلوكيَّاته مع الآخر الذي يشاركه الحياة والبيئة والمنافع المشتركة...

سعود بن علي الحارثي

[email protected]