أصبح التحوُّل الرَّقمي أحد أبرز ملامح العصر الحديث، وأسهم في تعزيز قدرة المؤسَّسات على تخزين ومعالجة كميَّات كبيرة من البيانات والمعلومات. وفي المقابل، أوجد هذا التحوُّل مخاطر متزايدة تمسُّ سريَّة البيانات الحكوميَّة وحمايتها، الأمر الذي دفع التشريعات الجزائيَّة إلى وضع حماية قانونيَّة تجرِّم صور الاعتداء على هذه البيانات وتقرِّر العقوبات المناسبة لها.
وتكتسب البيانات الحكوميَّة أهميَّة خاصَّة؛ لِمَا قد تتضمنه من معلومات تتَّصل بالمصلحة العامَّة للدَّولة أو بالمصالح الخاصَّة للأفراد. وقد تناول المشرِّع العُماني حماية الأسرار من خلال عدد من النصوص القانونيَّة، كما عرَّف قانون مكافحة جرائم تقنيَّة المعلومات البيانات أو المعلومات الإلكترونيَّة الحكوميَّة بأنَّها البيانات والمعلومات المتعلقة بوحدات الجهاز الإداري للدَّولة وغيرها من الأشخاص الاعتباريَّة العامَّة، والشركات التي تُسهم الحكومة في رأسمالها بنسبة تزيد على (40%)، والمتاحة عبر وسائل تقنيَّة المعلومات أو الأنظمة المعلوماتيَّة.
وتقوم جريمة إفشاء أسرار البيانات الحكوميَّة الإلكترونيَّة على مجموعة من الأركان، في مقدِّمتها وجود بيانات تتَّسم بالسريَّة، وأن يكونَ مرتكب الفعل ممَّن توافرت له صفة تخوِّله الاطِّلاع عليها بحُكم وظيفته أو تكليفه. كما يتطلب الركن المادِّي تحقُّق فعل الإفشاء، ويُقصد به إطلاع شخص أو جهة لا تملك حقَّ الاطِّلاع على كل السِّر أو جزء منه، سواء تمَّ ذلك شفويًّا أو كتابةً أو تصويرًا أو إلكترونيًّا، وبأيِّ وسيلة تؤدِّي إلى إخراج السِّر من نطاق الأشخاص المصرَّح لهم بالاطِّلاع عليه.
ولا يكتمل الجانب المادِّي للجريمة إلَّا بتوافر العلاقة السببيَّة بين فعل الإفشاء والنتيجة المترتبة عليه، ولا سِيَّما الإضرار بالمصلحة التي يحميها القانون. أمَّا الركن المعنوي، فتتطلب الجريمة توافر القصد الجزائي القائم على العِلم والإرادة؛ أي عِلم الجاني بسريَّة البيانات واتِّجاه إرادته إلى إفشائها لِمَن لا يملك حقَّ الاطِّلاع عليها.
وقد قرَّر المشرِّع العُماني حماية جزائيَّة مشدَّدة لبعض صوَر الأسرار الحكوميَّة، وبخاصَّة أسرار الدفاع عن البلاد، فنَصَّ قانون الجزاء على عقوبات متفاوتة بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به، تصل في بعض الحالات إلى السجن المطلق أو الإعدام إذا وقع الفعل في زمن الحرب.
ويكشف التحوُّل الرَّقمي عن صوَر جديدة من المخاطر التي تهدِّد البيانات الحكوميَّة، من بينها الاحتيال الإلكتروني، والسرقة الإلكترونيَّة، واختراق الأنظمة، والتجسُّس الرَّقمي، إلى جانب إفشاء الأسرار. كما أسْهَمتِ التقنيَّات الحديثة، ومنها الذَّكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ومعالجة البيانات الضخمة، في اتِّساع نطاق المخاطر المرتبطة بسريَّة البيانات وتكاملها وإتاحتها وتوثيقها.
ثم، إنَّ حماية البيانات الحكوميَّة لم تَعُد مسألة تقنيَّة فحسب، بل أصبحت ضرورة قانونيَّة وأمنيَّة تقتضي تعزيز الوعي بأهميَّة سريَّة المعلومات، وتطوير الحماية التشريعيَّة والوسائل التقنيَّة بما يتناسب مع التطوُّرات المتسارعة في البيئة الرَّقميَّة، بما يكفل صون البيانات الحكوميَّة وحماية المصالح التي ترتبط بها.
عبدالله بن راشد السنيدي
باحث عُماني في القانون