تصل إلى الكثير من الأشخاص بين حين وآخر رسائل إلكترونيَّة إغرائيَّة من عناوين توحي بأنَّها من مؤسَّسات دوليَّة مشهورة، وهي تحمل وعودًا ماليَّة بمبالغ يسيل لها اللعاب، رغم أن المتيقنين ممَّن يتلقونها يصعب عليهم تصديقها عندما يخضعونها إلى معايير المنطق.
من بين تلك الرسائل ما يفيد باختيار المتلقي لِيستفيدَ من منحة أو برنامج استثماري دولي، وأنه سيحصل على ملايين الدولارات دون أن يتحمل أيَّ تكاليف، ثم تطلب منه التواصل عبر بريد إلكتروني عام أو تطبيقات مراسلة لتحديد طريقة استلام الأموال.
قد يُشكِّل هذا النوع من الرسائل مظهرًا من مظاهر اقتصاد رقمي غير مشروع يمكن تسميته (باقتصاد الوهم)؛ فهو يستفيد من اتِّساع استخدام التكنولوجيا، وسهولة الوصول إلى الأفراد، وأيضًا من تفاوت مستويات الوعي المالي والرَّقمي.
وفي تقديري أن الرسالة التي تخبر متلقيها بأنَّه تمَّ اختياره عشوائيًّا للحصول على منحة استثماريَّة ملياريَّة أو مليونيَّة جاهزة للتحويل دون أيِّ تكلفة، تقدِّم نموذجًا واضحًا لكيفيَّة صناعة الوهم المالي وتسويقه.
تقوم هذه الرسائل على معادلة بسيطة ـ لكنَّها فعَّالة ـ أساسها إغراء مالي ضخم مقرون باِسْمِ مؤسَّسة أو برنامج دولي معروف، وإيحاء بأنَّ القرار قد تمَّ اتِّخاذه بالفعل، وأن المتلقي أصبح مستفيدًا، ممَّا يخلق شعورًا بالاستعجال يدفع الشخص المختار إلى التواصل سريعًا.
والمفارقة أن عدم منطقيَّة العرض قد تكون جزءًا من آليَّة الاستهداف؛ باعتبار أن المحتال لا يبحث عن شخص يدقِّق في كل تفصيل، وإنما عن شخص يكون مستعدًّا لتجاوز الشَّك الأول بدافع الأمل أو الطمع أو الحاجة.
لا شك أن هذه الظاهرة تكشف عن سوق غير مشروع يقوم على انخفاض تكلفة الاستهداف وارتفاع العائد المحتمل؛ إذ إن إرسال آلاف الرسائل لا يتطلب موارد كبيرة، في حين أن استجابة واحدة يمكنها أن تفتحَ الطريق أمام طلب رسوم تحويل أو ضرائب أو مصروفات إداريَّة، أو الحصول على بيانات مصرفيَّة وشخصيَّة لِيتمَّ استغلالها لاحقًا. وبذلك لا يكون المبلغ المعلن في الرسالة هو الهدف الحقيقي بالضرورة؛ فقد يكون مجرَّد «طُعم» للوصول إلى أموال الضحيَّة أو معلوماته.
كما يعكس انتشار هذه الرسائل جانبًا آخر أكثر عمقًا، يتمثل في استثمارها في التفاوت الاقتصادي وفي تطلُّعات الناس إلى تحسين أوضاعهم؛ حيث إن الشخص المتطلع للحصول على تمويل لمشروع أو يواجه ضغوطًا ماليَّة قد يكون أكثر استعدادًا لتصديق الفرص الاستثنائيَّة، خصوصًا عندما يتمُّ تقديمها له في إطار يبدو رسميًّا. ولا يعني ذلك أن الضحيَّة تفتقر بالضرورة إلى الوعي، وإنما يعني أن المحتال يحاول استغلال اللحظة التي تتغلب فيها الرغبة في حلٍّ سريع.
وتزداد الخطورة عندما تنتقل العلاقة من رسالة إلى حوار مباشر؛ حيث يمكن للمحتال بناء الثقة تدريجيًّا، وجمع معلومات عن الضحيَّة، ثم الانتقال من الوعود إلى المطالب التي قد تبدأ بمعلومة بسيطة وتنتهي بتحويل مالي أو إرسال وثائق شخصيَّة أو بيانات مصرفيَّة، لِتتحولَ المنحة المزعومة إلى خسارة حقيقيَّة.
إنَّ مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد على الحظر التقني وحده؛ لأنَّ المحتالين قادرون على تغيير العناوين والأرقام والحسابات باستمرار؛ إذ إنَّ المطلوب بناء مناعة مُجتمعيَّة تقوم على الوعي المالي والرَّقمي، وتعليم الأفراد بأنَّ المؤسَّسات الحقيقيَّة لا تمنح ملايين الدولارات لأشخاص مجهولين عبر رسائل عشوائيَّة، وأن أيَّ عرض مالي استثنائي يجب أن يخضعَ للتحقق من مصدره عبر القنوات الرسميَّة المستقلَّة، وليس من خلال بيانات الاتِّصال الواردة بالرسالة نفسها.
كما أن مسؤوليَّة التوعية لا تقع على الفرد وحده، بل تشمل المصارف والمؤسَّسات الحكوميَّة ووسائل الإعلام والمدارس والجامعات؛ جميعها مطالبة بجعل التوعية بالاحتيال الرَّقمي جزءًا مستمرًّا من الثقافة الماليَّة للمُجتمع؛ لأنَّ كل رسالة من هذا النوع تجد طريقها إلى الضحيَّة عبر فجوة في الوعي، وكل حالة يتمُّ تجنُّبها تُمثِّل حماية لمدَّخرات فرد وأُسرة، ورُبَّما حماية لثقة المُجتمع في البيئة الرَّقميَّة.
وفي النهاية، فإنَّ أخطر ما في هذه الرسائل ليس المبلغ الخيالي الذي تَعد به، وإنَّما قدرتها على تحويل الأمل في الثراء أو الخلاص المالي إلى نقطة ضعف. ولذلك فإنَّ القاعدة الأكثر أمانًا بسيطة: كلَّما كان الوعد المالي أكبر، وجب أن يكونَ التحقُّق منه أكثر صرامة؛ فالمال الذي يأتي من جهة مجهولة قد لا يكون فرصة للثراء، بل فاتورة لخسارة أكبر.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»