.. ويقول سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عن مكانة التوبة في الأعمال الصالحة: (إنَّ التوبة إلى الله هي شعار النبيين وسبيل المتقين، بها يتدارك المرء ما فاته من خير، ويتخلص مما أحاط به من شر، ولا يدري امرؤ متى يتصرم أجله ويحين حينه، فالليل والنهار يتقاضيان عمره، والأنفاس التي تتساقط منه، كل نفس منها على حساب حياته، مع ما يعتريه من الغفلة والإهمال والطيش والرغبة، وهي جميعًا تخلد به إلى الدنيا، وتجتذبه إلى الانغماس في أوحالها، فالحزم إذا أن يُسارع إلى المتاب مع كل غفلة تعروه، وإهمال يقع منه، وطيش يدفعه إلى الشر، ورغبة تقوده إلى تجاوز حدود الانضباط بأوامر الله ونواهيه في تعاطيه ما في دنياه، وهذا الذي كان عليه الأنبياء ودرج عليه الصالحون، فهم يتوبون وإن لم يوقنوا بالذنب، خشية أن يكونوا واقعوه من حيث لا يدرون).
إنَّ العمل الصالح هو إحدى الركائز الأساسية التي تثبت وتصقل المسلم الثبات على التوبة، وتُعين المسلم الحياة الحقيقية الإيمانية، وإن جهاد النفس على المضاعفة في الأعمال الصالحة وتعويدها باستمرار في التنويع في مختلف المعاملات والعبادات التي تقرّب المسلم من ربه عليه أن يعيش طوال ما تبقى من حياته على هذا المنهج المستقيم ليساعده في ممارسة أعمال صالحة تعينه على الثبات والاستقامة.
ومن خلال هذه الكنوز الإيمانية علينا أن نتوجه بالشكر والحمد على الله سبحانه وتعالى ما يسر لنا وبارك في الثبات على هذه الأعمال العظيمة فلا نكون في غفلة عن شكر العظيم ـ جلّت قدرته ـ من خلال رحمته الواسعة التي تجعلنا مضاعفين العمل بزاد التقوى وجوارحنا كل يوم تزداد في أعمال مختلفة، قال العلامة ابن القيم:(إذا عزمت التوبة وصحت ونشأت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن؛ فإن التائب من الذنب لا ذنب له).
لقد كان رسولنا وحبيبنا وقدوتنا سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، يستغفرُ اللهَ سبعينَ مرَّةً، وفي روايةٍ: مِائةَ مرةٍ، وذلك في كلَّ يَومٍ، قال الله تعالى:(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (غافر 7 ـ 9).
ومن الثوابت التي تعين المسلم على التوبة الصادقة (الدعاء)، فاتخذه ـ أخي المسلم ـ زادك في كل وقت وحين، حتى تعيش أفضل عمَّا كنت عليه، فكن مع الدعاء بأن يثبتك الله على ترك جميع الذنوب، وردد الدعاء في مرات عديدة بإخلاص وصدق من القلب على مجاهدة هوى النفس والشيطان امتثالا لأوامر الله ورضاه سيستجيب الله لك دعائك ويفرح بالعودة إليه، وتعود إلى الله بصفحة جديدة نقية البياض بتوبة الإخلاص والصدق التي تغفر الذنوب وتبدل السيئات إلى صالح الحسنات، وهنا علينا أن نحذر بعدما عشنا في شاطئ الأمان وشاطئ الحياة المطمئنة وحياة الإيمان أن يوسوس لنا الشيطان والنفس الإمّارة بالسوء ورفاق السوء، بالعودة إلى مستنقعات المعاصي والذنوب، فيجب أن نعيش الحياة مع أوامر الله ونسير على نهج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لنسعد في الدنيا والآخرة.
مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني