الأربعاء 07 أكتوبر 2026 م - 25 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

الشمولية فـي معنى الأمانة «1»

الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 01:43 م

أيها الأحبة الكرام: إنَّ الله تعالى مُطلِّع علينا جميعًا، لا يغيب عن أحدٍ منا، وكيف يغيب وهو العليم الخبير، يعلم السر والنجوى، والغيب والشهادة، لا يشغله شأنٌ عن شأن، ولا تغيب عنه خافية في الأرض ولا في السماء.

خلق الإنسان، ورعاه، وصانه، وأمره بأداء الأمانة، وجعل له في كل أمرٍ من أمور الحياة قدوةً وأسوة، في شخص سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي عُرف بالصدق، ووُصف بالأمانة، فكان خير من حفظها وأداها، وأكمل من جسّدها خُلقًا وسلوكًا.

فقد جاءنا (عليه الصلاة والسلام) بشريعة الإسلام، دينٍ جامعٍ شامل، ومنهجٍ متكاملٍ للحياة، ما من نفعٍ للعباد إلا دلّ عليه، وما من خيرٍ إلا أمر به، وما من شرٍّ إلا نهى عنه، دينٌ يرعى أمن المجتمع، ويسعى لإسعاده، ويغرس الثقة والمودة بين أفراده، ومن ركائزه الكبرى: الأمانة، التي أمرنا الإسلام بأدائها لمن ائتمننا، وحفظها وعدم التفريط فيها.

فالأمانة ليست مجرد لفظٍ يُتداول، بل هي مفهومٌ واسع، ومعنى شامل، يجمع كل خير، ويدور في فلك العظمة، حملها بنو آدم، وتفرّد الإنسان بحملها دون سائر المخلوقات، إذ أبت الجبال والأرض والسماوات أن يحملنها، وأشفقن منها، فحملها الإنسان، وكانت العروة الوثقى، والأمانة العظمى، التي بها يُبتلى، وبها يُكرم أو يُهان.

يقول الإمام الطبري عن بعض أهل التأويل: إنَّ المقصود بالأمانة هو طاعة الله وفرائضه وحدوده، وأن الله عرضها على السماوات والأرض والجبال بشرط أن تُثاب إن أُديت وتُعاقب إن ضُيعت، فخشيت هذه المخلوقات من عدم الوفاء بها، فأبت حملها، وحملها الإنسان، أي (آدم ـ عليه السلام)، فكان ظلومًا جهولًا، وقال بعضهم: معناه: إن الله عرض طاعته وفرائضه على السماوات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أُثيبت وجوزيت، وإن ضيَّعت عُوقبت، فأبت حملها شفقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم لنفسه بالذي فيه الحظ له، وعن الحكم بن عمرو قال: قال النبي (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم): (إِنَّ الأمَانَةَ وَالْوَفَاءَ نزلا عَلَى ابنِ آدَمَ مَعَ الأنْبِيَاءِ، فَأُرْسِلُوا بِهِ؛ فَمِنهُمْ رَسُولَ اللهِ وَمِنْهُمْ نَبِي وَمِنْهُمْ نَبِي رَسُولٌ، نزل القرآن وهو كلام الله ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون ومما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بيّنة لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح، ثم الأمانة أول شيء يُرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يُرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب؛ فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها حتى وصل إليَّ وإلى أمتي فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، وإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا) (تفسير الطبري المسمى «جامع البيان»، ت شاكر 20/‏‏ 336).

وقد وصف الله تعالى بالأمانة الأنبياء والمرسلين، فكل نبي قال لقومه: (إِنّي لَكُم رَسُولٌ أَمينٌ) (الشعراء ـ ١٠٧ )، وهي لنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) من وصفه، لأَنه أَمين الله على وحيه، فكان لا ينطق عن الهوى ولا يقول إِلا حقًّا، فبلَّغَ رسالته أَمانة وصدقًا، يَقُولُ (صلى الله عليه وسلم):(أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِيَنِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً) (رواه البخاري وغيره)، كما ائُتمن بحفظ الدين العلماء والدعاة، فهم أُمناء في تبليغه وفق مراد الله، وبها تصان النفس والمال والعرض، وحماية الوطن والأَرض، وبها تقوم الوصية، والنشر والكتابة، والقضاء والأحكام والشهادة.. وغير ذلك فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]