الأربعاء 07 أكتوبر 2026 م - 25 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

إرث التواصل يثمر شراكات

إرث التواصل يثمر شراكات
الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 02:53 م

إبراهيم بدوي

لا أحد ينكر متانة العلاقات التي تبنيها سلطنة عُمان مع مختلف الدول الصَّديقة والشَّقيقة، وقد عشتُ في هذا البلد ما يكفي لأرى كيف يمنح احترام الآخرين وحفظ الودِّ في العلاقات، سواء على مستوى الدَّولة أو الأفراد، قدرةً على الاستمرار، وكيف تصبح الثقة رصيدًا يُبنى عليه مع تعاقب السنوات. وحين أتابع الزيارات التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ أجدني مهتمًّا بما تحمله من فرص للعمل المشترك، وبما تكشفه عن رؤية تؤمن بأنَّ التعاون في البناء يؤسِّس لعلاقات ممتدَّة ومتينة؛ فالمصالح التي تنشأ حول مشروع، والخبرات التي يتبادلها الناس، والفرص التي تجد طريقها إلى التنفيذ، تمنح الصداقة حضورًا في حياة المُجتمع. وهذا ما أقدِّره في النهج العُماني: أن تظلَّ العلاقة موضع عناية، وأن تجدَ مع كل خطوة أسبابًا إضافيَّة للنُّمو، في قيادة تعرف قِيمة ما راكمته بلادها من ثقة، وتُحسن توجيهه لخدمة مصالحها ومصالح شركائها.

وقد تناولت في مقال سابق، أثناء الزيارة السَّامية الأخيرة إلى إفريقيا، ارتباط الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة العُمانيَّة بإرث الإنسان العُماني البحَّار والتاجر، الذي عرف البلاد من خلال أهلها وأسواقها، وأقام علاقاته عبر التعامل والمعرفة وحُسن المعاشرة. وكلَّما تأملت هذا التاريخ، شعرتُ بأنَّ جانبًا من قوَّة عُمان في علاقاتها الخارجيَّة يعود إلى تلك الطبيعة التي يحملها أهلها: الألفة في اللقاء، والاعتزاز بالهُوِيَّة، واحترام اختلاف الآخرين. وفي إفريقيا تبدو هذه الصِّلة قريبةً من الذاكرة، بما تركته رحلات العُمانيين وإقامتهم وتجارتهم من روابط إنسانيَّة وثقافيَّة. ويعجبني أن هذا الإرث يجد امتداده اليوم في حركة سياسيَّة واقتصاديَّة واعية، تستفيد من مكانة عُمان لدى شعوب كثيرة، وتمنح العلاقات مجالات أخرى للتعاون؛ فهناك معرفة متبادلة سبقت الاتفاقيَّات، وهناك ثقة تساعد المؤسَّسات وأصحاب الأعمال حين يبدؤون البحث عن فرص تجمعهم.

ومن هذه الزاوية قرأتُ زيارة جلالته إلى كازاخستان، وما حمله البيان المشترك من اهتمام بزيادة التجارة وتنوُّعها، وتطوير الروابط بين آسيا الوسطى والخليج وإفريقيا. وجدتُ في ذلك امتدادًا لنهجٍ أعرفه، يتَّجه هذه المرَّة إلى منطقة تحمل فرصًا تستحق الاقتراب منها وفهمها. جميعنا يعرف أن الوصول إلى سوق يحتاج إلى معرفة وشريك وثقة ووسيلة للنقل وتمويل مناسب؛ ولذلك توقفتُ عند اتفاقيَّات حماية الاستثمارات والصندوق الاستثماري المشترك ومجلس الأعمال، فهي تتَّصل باحتياجات تواجه مَن يريد أن يحوِّلَ فكرةً إلى نشاط قائم. وأرى في جمع هذه الأدوات خلال الزيارة تقديرًا واضحًا لما يتطلبه التعاون حتى ينموَ، كما أرى في الاهتمام بالممرَّات اللوجستيَّة فرصةً لأن تتَّصلَ تجارة البلدين بأسواق أخرى، وأن تستفيدَ المؤسَّسات العُمانيَّة من موقع بلادها وخبرتها وعلاقاتها. هنا تظهر قِيمة بُعد النظر في اختيار الشراكات وتهيئة الظروف التي تساعدها على الإثمار.

وأنا أتابع تلك الخطوات، أرى في الرؤية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ قدرةً على الجمع بين رسوخ العلاقات واتِّساع الطموح، وعلى توجيه مكانة عُمان وثقة الآخرين بها نحو تعاون يخدم تنميتها ويزيد فرص أبنائها. وما يدعوني إلى الاعتزاز بالرؤية هو اهتمامها بتعدد أبواب التعاون، من الصناعة والطاقة إلى التعليم والتقنيَّة، بما يتيح لمؤسَّسات مختلفة أن تجدَ نصيبها من الفرص؛ ففي كل مجال تتَّجه إليه الشراكات، أرى مساحةً يمكن أن يستفيدَ منها صاحب مشروع، أو طالب عِلم، أو باحث عن عمل. وأقدِّر في قيادة جلالته هذا الحرص على تهيئة أسباب النُّمو، وبناء علاقات تتَّصل فيها مصالح البلاد بقدراتها واحتياجاتها، وتحفظ لها حضورها ومكانتها. وتمنح زيارة كازاخستان مثالًا على حكمة هذا التوَجُّه، الذي يستند إلى إرث عُماني راسخ في التواصل، ويحمله بعناية واقتدار إلى شراكات يطمئن أطرافها إلى صِدق العلاقة وجديَّة العمل.

إبراهيم بدوي

[email protected]