الأربعاء 07 أكتوبر 2026 م - 25 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

من بحر عُمان إلى قلب آسيا

من بحر عُمان إلى قلب آسيا
الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 02:54 م

جودة مرسي

تستمرُّ الزيارات الدبلوماسيَّة لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ، والتي تأتي في إطار تعزيز العلاقات بين الدول، وخلق مناخ فريد من التواصل بين الدول، وتعزيز سُبل التنمية الاقتصاديَّة، خصوصًا وأن ما بين مسقط وكازاخستان علاقات سياسيَّة متميزة. وقد كان ذلك واضحًا من خلال الاستقبال الحافل لجلالة السُّلطان ـ حفظه الله ـ. وهنا تأتي العلاقات بين الدَّولتين لِتُعزِّزَ أواصر التعاون في كافَّة المجالات، وفي القلب منها الاقتصادي. وتُمثِّل كازاخستان قلب آسيا الوسطى، حيث تتقاطع الثروات والأسواق والممرَّات التجاريَّة الجديدة. وفي المقابل، تنظر كازاخستان إلى سلطنة عُمان باعتبارها دولة بحريَّة تملك ما تفتقده الدَّولة الواقعة في قلب القارَّة: الموانئ والمنافذ على طُرق التجارة البحريَّة نحو الخليج والمحيط الهندي. كازاخستان دولة شاسعة وغنيَّة بالموارد، لكنَّها بلا منفذ بحري مباشر. وسلطنة عُمان تمتلك موقعًا بحريًّا استراتيجيًّا وبنية أساسيَّة للموانئ والمناطق الاقتصاديَّة واللوجستيَّة.

وبالتَّالي، فإنَّ ما يبدو على الخريطة مسافة جغرافيَّة شاسعة يمكن أن يتحول اقتصاديًّا إلى سلسلة متَّصلة من الطُّرق والسِّكك الحديديَّة والموانئ والأسواق. وقد برز بالفعل بحث نقل الصادرات الكازاخستانيَّة ـ ومنها القمح ـ عبر سلطنة عُمان، بما يُعزِّز دَوْر الموانئ العُمانيَّة كبوَّابة محتملة للمنتجات الكازاخستانيَّة إلى أسواق الخليج والمحيط الهندي وما وراءهما. وهذا يفسِّر لماذا يحتلُّ النقل والخدمات اللوجستيَّة موقعًا متقدِّمًا في أجندة العلاقة. وفق بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ارتفع التبادل التجاري بين البلدين من نحو (421.5) ألف ريال عُماني خلال عام (2025) إلى (22.88) مليون ريال في الأشهر الستة الأولى من (2026). والأكثر دلالةً أن الصادرات العُمانيَّة إلى كازاخستان بلغت نحو (22.86) مليون ريال، مقابل واردات لم تتجاوز (19.4) ألف ريال خلال الفترة نفسها. قد لا تكون هذه الأرقام ـ في حجمها المُطْلق ـ ضخمةً مقارنةً بالتجارة العُمانيَّة مع الأسواق الكبرى، لكنَّها تكشف شيئًا أهم، وهو أن هناك سوقًا بدأ يتحرك بسرعة، ومساحة واسعةً لم تُستثمر بعد. واللافت أيضًا أن التعاون لم يَعُد محصورًا في الطاقة التقليديَّة، بل من المنتظر أن تشملَ النقل الجوِّي، وتشجيع وحماية الاستثمارات، وتقنيَّة المعلومات، والصحَّة، والزراعة، إلى جانب التعاون التجاري. كما أن البلدين يعملان على بناء أُطر مؤسَّسيَّة لمتابعة التعاون الاقتصادي والاستثماري وتحويل التفاهمات إلى مشروعات (الهيئة العامة للطيران المدني). وهنا تظهر فلسفة أوسع في التحرك لتنويع الشراكات قبل أن تفرضَ الجغرافيا السياسيَّة والاقتصاديَّة مساراتها على الجميع؛ فكازاخستان ليست مُجرَّد دولة منتجة للنفط والغاز والمعادن والحبوب، وإنَّما دولة تقع في قلب التحولات التي تُعِيد تشكيل طُرق التجارة بين الصين وآسيا وأوروبا. وسلطنة عُمان يمكنها أن تكونَ حلقة وصل بحريَّة لهذه التدفقات.

خلال (2026) تكثفت الاتِّصالات الاقتصاديَّة والسياسيَّة بين البلدين؛ من زيارة صاحب السُّمو السَّيد ذي يزن بن هيثم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية إلى كازاخستان في أبريل، إلى زيارة مسؤولين ناقش خلالها الجانبان إنشاء مجلس أعمال وصندوق استثماري مشترك، مع تحديد الطاقة والتعدين والنقل والزراعة والسياحة والتكنولوجيا كقِطاعات واعدة.

إنَّ زيارة جلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ـ ليست بداية القصَّة، بل لحظة سياسيَّة رفيعة لوضع ختم القيادة على مسار اقتصادي كان قد بدأ بالفعل؛ لأنَّ الزيارات الكبرى تصبح أكثر تأثيرًا عندما تأتي فوق أرضيَّة مؤسَّسيَّة واقتصاديَّة جاهزة. لهذا يمكن قراءة زيارة جلالة السُّلطان المُعظَّم إلى أستانا باعتبارها أكثر من زيارة دولة؛ إنَّها محاولة هادئة لرسم خط اقتصادي جديد على الخريطة: يبدأ من قلب آسيا، ويمرُّ عبر سلطنة عُمان، وينفتح على الخليج والمحيط الهندي والأسواق الأوسع. في عالم تتنافس فيه الدول اليوم على الممرَّات التجاريَّة بقدر تنافسها على الأسواق، قد تكون قِيمة هذه الزيارة الحقيقيَّة فيما سيحدث على الخرائط التجاريَّة؛ فالسياسة قد تصنع الصداقة بين الدول، لكن الجغرافيا، حين تلتقي بالاقتصاد، تستطيع أن تصنعَ طريقًا جديدًا.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»