يضع تأكيد الأمين العام للأُمم المُتَّحدة، أنطونيو جوتيريش، أنَّ السَّلام في الشرق الأوسط مرهون بتحقُّق حقِّ الشَّعب الفلسطيني في تقرير المصير، القضيَّة الفلسطينيَّة في موقعها بوصفها أساسًا لاستقرار المنطقة؛ ذلك أنَّ استمرار الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنيَّة يبقيان أسباب الصراع قائمة، ويقوِّضان قدرة الجهود الدبلوماسيَّة على الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة. وتكتسب تلك التصريحات أهميَّتها من وضوح الصِّلة التي تقيمها بين السَّلام والحقوق، ومن تأكيدها أنَّ أمن المنطقة يحتاج إلى معالجة جذور الصراع، وفي مقدِّمتها تمكين الشَّعب الفلسطيني من إقامة دَولته المستقلَّة وممارسة سيادته على أرضه، وهو ما يضع المُجتمع الدّولي أمام مسؤوليَّة ترجمة المواقف المعلنة إلى خطوات تَضْمن إنهاء الاحتلال، وتمنح الفلسطينيين القدرة على إدارة شؤونهم وبناء مؤسَّساتهم، ضِمن مسار سياسي واضح الغاية، تتوافر له إرادة التنفيذ وضمانات الاستمرار.
ولعلَّ استمرار العدوان «الإسرائيلي» على قِطاع غزَّة يكشف اتِّساع الفجوة بين الدَّعوات إلى السَّلام والواقع الذي يعيشه الشَّعب الفلسطيني الأعزل؛ إذ تتواصل الغارات على المناطق المأهولة بالسكَّان، ويتجدَّد سقوط الشهداء والجرحى، وتتَّسع آثار الدَّمار في مُجتمع أنهكته الخسائر البشريَّة وتضرُّر المَرافق والخدمات الأساسيَّة. ويضاعف تقييد دخول الإمدادات وإغلاق المعابر صعوبة الاستجابة للاحتياجات الإنسانيَّة، ويضع المرضى والأطفال والأُسر النازحة أمام مخاطر يوميَّة تتَّصل بالغذاء والعلاج والمأوى؛ فكُلُّ اعتداء جديد يزيد أعباء التعافي، ويستنزف قدرة المؤسَّسات والعاملين في المجال الإنساني على حماية الحياة. ومن هنا، تبدأ جديَّة أيِّ تحرُّك دبلوماسي بوقف العدوان وضمان حماية المَدَنيين وتدفُّق المساعدات، باعتبارها التزامات تستوجب التنفيذ الفوري، وتؤسِّس لظروف يستطيع فيها الفلسطينيون استعادة حياتهم والشروع في إعادة البناء.
وتظهر الاعتداءات في الضفَّة الغربيَّة وجهًا آخر لاستهداف الوجود الفلسطيني؛ حيث تمسُّ هجمات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعيَّة مصادر الرزق ومُقوِّمات البقاء. ويقدِّم موسم قطف الزيتون صورة واضحة لهذا الأثر؛ فالأرض مورد تعيش منه الأُسر، ومصدر رزق تتوارثه الأجيال، وإتلاف أشجارها ومنع أصحابها من الوصول إليها يضعفان دخلهم ويُهدِّدان استمرار عملهم واستقرارهم. وتكشف جهود تزويد المزارعين بأدوات تسرِّع الحصاد وتقلِّل تعرُّضهم للمخاطر حجم التَّهديد الذي يحيط بنشاط زراعي يفترض أن يُمارسَ بأمان. كما تُؤكِّد حاجة الفلسطينيين إلى حماية تمكِّنهم من الانتفاع بأرضهم ومواردهم؛ وعليه، فإنَّ حقَّ تقرير المصير يتَّصل بقدرة الشَّعب على البقاء في وطنه، والحفاظ على وحدته ومؤسَّساته ومصادر عيشه، وهي مُقوِّمات يتعرض استمرارها للخطر في غزَّة والضفَّة معًا.
إنَّ مسؤوليَّة المُجتمع الدّولي تقتضي ربط الدَّعوة إلى الحوار بإجراءات توقف الاعتداءات وتحمي الحقوق الفلسطينيَّة، عبر وقف العدوان على غزَّة، وضمان وصول الإغاثة، والتصدِّي لاعتداءات المستوطنين والتوسُّع الاستيطاني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وتحتاج هذه الإجراءات إلى إرادة تمنع استمرار الإفلات من العقاب، وتُعِيد للقانون الدّولي قدرته على حماية الشعوب وصون حقوقها. كما يحتاج المسار السياسي إلى غاية واضحة تتمثل في إنهاء الاحتلال وإقامة الدَّولة الفلسطينيَّة المستقلَّة على حدود الرابع من يونيو عام (١٩٦٧)، وعاصمتها القدس الشرقيَّة؛ فبذلك تكتسب الدبلوماسيَّة مضمونها، وتصبح الدَّعوات إلى السَّلام قابلةً للتحقُّق في حياة النَّاس. ويظلُّ الوفاء بحقِّ الشَّعب الفلسطيني في تقرير المصير معيارًا لجديَّة الجهد الدّولي وقدرته على تأسيس استقرار يحفظ الكرامة ويصون العدالة.