للمفكر المصري الكبير الراحل الدكتور فؤاد مرسي كِتاب بعنوان «الرأسماليَّة تُجدِّد نفسها»، أعود لقراءته كل فترة. ورغم التغيُّر الهائل في طُرق التفكير، وحتى في نظريَّات تفسير السياسة والاقتصاد في العقود الأخيرة، إلَّا أن بعض الأفكار الأصيلة تظلُّ صالحةً لإلقاء الضوء على متغيِّرات عصرنا. صحيح أن كِتاب الدكتور فؤاد لم يستشرف تمامًا ما نحن فيه الآن، إلَّا أن دراسة مراحل سابقة ضروريَّة لِفَهْمِ المرحلة الحاليَّة والمستقبليَّة. إذا كانت مراحل التطوُّر من الإقطاع إلى الرأسماليَّة الصناعيَّة والتجاريَّة، ثم الرأسماليَّة الماليَّة، أخذت قرونًا من الزمن، فإنَّ مراحل التطوُّر المعاصر تأخذ عقودًا فقط. لذا فإنَّ آخر مراحل الرأسماليَّة تسلِّم الدفَّة بالفعل إلى مرحلة الرأسماليَّة التكنولوجيَّة، أو الرَّقميَّة، لتوخِّي الدقَّة. وما القِطاع الذي يروِّج أغلب السياسيين والاقتصاديين والمحلِّلين والمعلِّقين له باعتباره سيقود الاقتصاد العالمي ـ أي الذَّكاء الاصطناعي ـ إلَّا حلقة من حلقات تطوُّر الرأسماليَّة الرَّقميَّة.
رُبَّما على عكس نظريَّة التطوُّر الدَّائم للرأسماليَّة، وأنَّها تُجدِّد نفسها باستمرار، كما خلص الدكتور فؤاد مرسي في كِتابه، يبدو أن حلقات التطوُّر شِبه اكتملت. وهكذا نعود أدراجنا إلى أشكال الإقطاع، وإن كان الأمر مختلفًا مع الإقطاع الرَّقمي Digital Feudalism الحالي. ويصاحب الإقِطاع الرَّقمي، وبالتوازي، شكل مختلف من الرأسماليَّة، هي «الرأسماليَّة التأجيريَّة» Rentalist Capitalism، إن جاز التعبير. تاريخيًّا، يرتبط الإقطاع بالزراعة حين كان عدد قليل من الأثرياء يملكون الأرض (وأحيانًا المزارعين فيها)، بينما بقيَّة الناس تعمل لديهم بأقلّ أجرٍ يكاد يكفي قُوتَ يومهم. ثم تفتُّت الملكيَّة مع تطوُّر الرأسماليَّة، وأصبحت الملكيَّة غير مقتصرة على فئة محدودة في أي مُجتمع. بل إنَّ الملكيَّة ـ أيًّا كانت، للأرض أو المسكن أو أدوات الإنتاج ـ أصبحت مرادفًا للحُريَّة في المُجتمعات الحديثة. الآن، ومع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا وتحوُّل أغلب نشاطات البشر إلى «رقميَّة»، تركَّزت الملكيَّة في أيدي عددٍ محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى، بينما كل ما لدى الأفراد من أدوات رقميَّة يدفعون عنها «إيجارًا» شهريًّا أو سنويًّا (في شكل اشتراكات). أمَّا المالك المتحكم في كل شيء وصاحب الريع النهائي، فهو بضع شركات في مقدِّمتها (السبع الكبار)، وأغلبها شركات أميركيَّة.
قد يتصور البعض أن ذلك مقصور على مستخدمي التكنولوجيا والمنتجات الرَّقميَّة، لكن الواقع أن الأمر أصبح طاغيًا إلى حدِّ السيطرة على أغلب مناحي حياتنا. وتؤدِّي الحكومات ـ خصوصًا في الدول الكبرى ـ دَوْر المسانِد، بل والمروِّج لذلك الإقطاع الرَّقمي والرأسماليَّة التأجيريَّة. والأمثلة على ذلك لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ خذ ـ على سبيل المثال ـ صناعة الترفيه. فكل ما لديك من شرائط فيديو وكاسيت وأقراص مدمجة لم تَعُد لها ضرورة. كانت تلك وسائل الترفيه التي تملكها. أمَّا الآن، فعليك الاشتراك في مواقع بث الموسيقى، مثل سبوتيفاي وساوند كلاود، أو في شركات بث الفيديو، مثل نتفليكس وأمازون برايم وآبل وغيرها. مع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا، كنتَ تملك أجهزة تخزين معلومات تشتريها لمرَّة واحدة، مثل «الفلاش ميموري». الآن، عليك التخزين لدى شركات الحوسبة السحابيَّة (كلاود)، وتدفع إيجارًا شهريًّا لأمازون أو جوجل أو مايكروسوفت أو آبل للاحتفاظ بما لديك من ملفَّات رقميَّة. وقائمة ما تحوَّل من ملكيَّة إلى تأجير، ويصبُّ في النهاية لدى عددٍ محدود من الشركات العالميَّة، طويلة جدًّا.
لكن رُبَّما الأهم والأخطر، والذي لا يحظى بقدر من الاهتمام الذي يستحقُّه، هو توَجُّه البنوك المركزيَّة إلى إصدار العملات الرَّقميَّة المستقرَّة. صحيح أنَّها تختلف عن العملات المشفَّرة الأخرى، مثل بيتكوين وغيرها، التي لا تخضع لأيِّ تنظيم ولا قواعد، إنَّما في النهاية تلك العملات الرَّقميَّة للبنوك المركزيَّة ستكون خطوةً أخرى على طريق تعزيز الإقطاع الرَّقمي والرأسماليَّة التأجيريَّة. ففي النهاية، ستصبح البنوك المركزيَّة معتمدةً على عقود مع شركات تكنولوجيا كبرى تدير شبكات مثل «البلوكتشين» وغيرها، بما تعنيه تلك العقود من مدفوعات دَوْريَّة للشركات (إيجار). أضِف إلى ذلك أن كل بياناتنا ومعلوماتنا الموجودة في كل المصالح والهيئات، من الصحَّة إلى الدوائر الحكوميَّة والشركات، يتمُّ «توريدها» أيضًا لشركات التكنولوجيا الكبرى التي تستخدمها إمَّا في تدريب نماذج الذَّكاء الاصطناعي أو بيعها لشركات أخرى لعمليَّات تسويق وخلافه. في النهاية، حتى معلوماتنا الخاصَّة لم تَعُد «ملكيَّة» لنا في الزمن الرَّقمي، والعائد منها (الريع الإيجاري) يذهب مرَّةً أخرى لتلك المجموعة الصغيرة من كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات العالميَّة.
أصبح هذا التوَجُّه من الانتشار والتغلغل والترسُّخ بما يجعل من شِبه المستحيل وقف نُموِّه. وليس أمامنا ـ كبشر عاديين ـ سوى محاولة التكيُّف مع هذا التطوُّر من الإقطاع الرَّقمي والرأسماليَّة التأجيريَّة. المُشْكلة أنَّ الحكومات، التي دَوْرها التقليدي الموازنة بين «الصالح العام» ومصالح الشركات والأعمال، أصبحت جزءًا من ذلك التغيُّر، وكأنَّها تعمل كوكيل لعددٍ محدود من الشركات التكنولوجيَّة الكبرى. ومَن يفكِّر في التصدِّي لهذا الاحتكار العالمي ـ الإقطاعي تمامًا ـ أو ترشيد التطوُّر الرَّقمي المتمثل في الذَّكاء الاصطناعي بأُطُر تنظيميَّة تحمي المُجتمعات، يُنْظر إليه على أنَّه ضدَّ التطوُّر و«متخلف» عن ركْب السباق الحضاري العالمي. لذا، يركب الجميع قطار الإقِطاع الرَّقمي والرأسماليَّة التأجيريَّة دون حاجة عددٍ محدود من الشركات وأصحابها من المليارديرات للضغط على الحكومات لِتَبنِّي مصالحها.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري