هناك قرارات اقتصاديَّة عديدة تصدرها الحكومة لا يلتفت إليها الناس وتمرُّ من بين أيديهم دون أن يشعروا بتفاصيلها... لكن هناك قرارات أخرى تمسُّ حياة الناس وتتعلق بما يدخل إلى بيوتهم، وما يوضع على موائدهم، وما يحتاج إليه المريض وما يبحث عنه الأب حين يمرض طفله، وما يحتاج إليه المُربِّي لعلاج مواشيه ودواجنه... ومن هذه القرارات ما صدر عن جهاز الضرائب مؤخرًا والتي تقضي بإخضاع ثلاث مجموعات واسعة من السِّلع لـ«صفر ضريبة» اعتبارًا من بداية الشهر الحالي... فهذه القرارات الثلاثة تقترب أكثر من احتياجات المُجتمع، ونتمنى أن نرى لها أثرًا ملموسًا في تفاصيل حياة الناس اليوميَّة.
إنَّ الضريبة ليست مُجرَّد نسبة تضاف إلى فاتورة، وإنَّما قد تصبح جزءًا من تكلفة الغذاء والدَّواء والرعاية الصحيَّة... ثم فإنَّ إعادة النظر في نطاق السِّلع الخاضعة لها يمكن أن تكونَ لها انعكاسات تتجاوز الحسابات الماليَّة إلى أبعاد اجتماعيَّة واقتصاديَّة أوسع.. فاللافت في هذه القرارات الجديدة ليس فقط ما أعفي من الضريبة، وإنَّما اتِّساع القوائم وتحديدها بصورة أكثر تفصيلًا.
فالقرار الأول يتعلق بتوريدات الأدوية والتجهيزات الطبيَّة البيطريَّة التي يصدر لها إذن بالإفراج من وزارة الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه وفق الرموز الجمركيَّة المُحدَّدة في المُلْحق المُرفق بالقرار.. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى متعلقًا بالقِطاع البيطري وحده، لكنَّه في الحقيقة يرتبط بدائرة اقتصاديَّة وغذائيَّة متكاملة. فالدَّواء البيطري لا يخدم الحيوان فقط، وإنَّما يرتبط بصحَّة الثروة الحيوانيَّة وبالإنتاج وبالأمن الغذائي، وبكلفة تربية الحيوانات وإنتاج اللحوم والحليب. وهنا تظهر أهميَّة النظر إلى الإعفاءات الضريبيَّة باعتبارها جزءًا من منظومة متكاملة لا باعتبار كل سلعة معفاة حالة منفردة.
أمَّا القرار الثاني فيتعلق بتوريدات الأدوية والأدوية العشبيَّة والمستحضرات البيولوجيَّة والصحيَّة والأغذيَّة الخاصَّة بالاستخدامات الطبيَّة والتجهيزات الطبيَّة شريطة صُدور إذن الإفراج من وزارة الصحَّة ووفق الرموز الجمركيَّة المُحدَّدة، وأضافت القائمة الجديدة (677) نوعًا إلى التصنيفات الطبيَّة والصحيَّة لِتتَّسعَ القائمة بصورة لافتة، وتُؤكِّد على أنَّ الضريبة لا تتعلق بالدَّواء وحده، بل بمنظومة أوسع من الوقاية والعلاج والرعاية والتجهيزات الصحيَّة، وكلَّما انخفضت تكلفة هذه السلسلة أصبحت إمكانيَّة وصول المنتج إلى المستفيد النهائي أكثر اتساعًا.
أمَّا بالنسبة للقرار الثالث فرُبَّما يكون الأكثر قربًا من الحياة اليوميَّة؛ لأنَّه يتعلق بالسِّلع الغذائيَّة التي اتَّسعت فيها قائمة السِّلع الغذائيَّة الخاضعة لـ«صفر ضريبة» لِتشملَ طيفًا واسعًا من المنتجات كما أضيفت للقائمة الجديدة (401) سلعة غذائيَّة لِترتفعَ القائمة الإجماليَّة إلى (807) سلع غذائيَّة؛ لِيصبحَ القرار جزءًا من النقاش حول كلفة المعيشة وسلَّة المستهلك، وحول كيفيَّة وصول السياسة الضريبيَّة إلى أكثر المناطق حساسيَّة في حياة الأُسر وهي الطعام والشراب. فالناس قد لا يعرفون تفاصيل السياسة النقديَّة ولا يتابعون حركة المؤشِّرات الاقتصاديَّة اليوميَّة، لكنَّهم يعرفون جيِّدًا سعر كيلو الأرز، وعلبة الحليب، وكيلو اللحم، وثمن الخضراوات وتكلفة احتياجات أطفالهم. ولهذا فإنَّ أيَّ سياسة تمسُّ هذه السِّلع ستجد طريقها سريعًا إلى الحياة اليوميَّة.
السؤال الذي يتبادر هنا في ذهن كل مواطن: هل يعني «صفر ضريبة» انخفاض الأسعار؟
والإجابة ليست بالضرورة؛ لأنَّ السِّلعة لا تصل إلى المستهلك مباشرة من القرار الضريبي، وإنَّما تمرُّ عبر سلسلة من التكاليف تشمل الاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع، وهوامش الربح وحركة العرض والطلب، ومستوى المنافسة في السوق. ولهذا فإنَّ الأثر الحقيقي للقرار لن تحدِّدَه النصوص وحدها، وإنَّما ستُحدِّده الأسعار بعد بدء التطبيق.. وهنا تأتي أهميَّة المتابعة والرقابة.
فالهدف الإنساني من القرار لا يكتمل بمُجرَّد إزالة الضريبة من السِّلعة، وإنَّما عندما يشعر المستهلك بأثَر هذه الخطوة في السعر النهائي. فقد يكون الانخفاض كبيرًا في بعض السِّلع ومحدودًا في سلع أخرى.. وقد تتدخل عوامل السُّوق في تحديد حجم الأثر. لكن المؤكد أن المواطن سيكون العَيْنَ التي تراقب النتيجة.
لا شك أن مثل هذه القرارات تمنح فرصة لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسَّسات الدَّولة. فالمواطن لا يرى السياسات الاقتصاديَّة من خلال أرقامها فقط، وإنَّما من خلال ما يشعر به في حياته اليوميَّة. وعندما يرى أن قرارًا اقتصاديًّا يستهدف الغذاء والدَّواء، وأن القوائم توسَّعت لِتشملَ مئات السِّلع الجديدة فإنَّه يرى جانبًا من السياسة الاقتصاديَّة يلامس احتياجاته مباشرة. إلَّا أن الثقة لا تُبنى بالقرار وحده، إنَّما أيضًا بالشفافيَّة في التنفيذ ووضوح القوائم، ومتابعة الأسعار، والتأكد من وصول أثَر الإعفاء إلى المستهلك. وهنا تبدأ مسؤوليَّة أخرى لا تقلُّ أهميَّة عن إصدار القرار، وهي أن تظلَّ عين الرقابة مفتوحة على السُّوق.
إنَّ أجمل ما يمكن أن تحملَه هذه القرارات من معانٍ هو أنَّ الاقتصاد حين يضع الإنسان في قلبه لا يعود مُجرَّد أرقام وحسابات، بل يصبح وسيلة لتخفيفِ الأعباء وحماية الصحَّة وتعزيز الأمن الغذائي ومنح الأُسر مساحة أكبر للحياة.. فالغذاء ليس مُجرَّد سلعة والدَّواء ليس مُجرَّد منتج والصحَّة ليست بندًا في فاتورة. إنَّها جميعًا حاجات إنسانيَّة أساسيَّة. وإذا وصل أثَر «صفر ضريبة» إلى حيث ينبغي أن يصلَ فسيكون ذلك أبعد من مُجرَّد تعديل ضريبي، بل سيكون خطوةً يشعر بها الناس في أبسط تفاصيل حياتهم وأكثرها أهميَّة.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني