الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 م - 24 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الممارسة الرقمية الواعية .. قوة ناعمة فـي بناء الثقة وصناعة التأثير

في العمق : الممارسة الرقمية الواعية .. قوة ناعمة فـي بناء الثقة وصناعة التأثير
الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 02:57 م

د.رجب بن علي العويسي

ينطلق طرحنا لهذا الموضوع من حدَثين وطنيين مهمَّيْن يحملان في مضمونهما دلالات عميقة على مسار بناء الشخصيَّة العُمانيَّة، وتعزيز حضورها في الفضاء الرَّقمي. أولهما التَّوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ خلال اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر بتاريخ (15) يونيو (2026)، والتي أشاد فيها بالسَّمْت العُماني وما يتميَّز به المواطن العُماني من اتِّزان ورُشد وحكمة في الطرح والتعبير عن الرأي والتعامل مع مختلف القضايا الوطنيَّة والإقليميَّة والدوليَّة، مثمنًا المستوى الحضاري الذي يعكسه المواطنون في نقاشاتهم وأُطروحاتهم، وما يجسِّدونه من قِيَم الاعتدال والوعي والمسؤوليَّة الوطنيَّة. وهي إشادة سامية تُؤكِّد أن السَّمْت العُماني لم يَعُد مُجرَّد سلوك اجتماعي أو ممارسة فرديَّة داخل الإطار الاجتماعي والجغرافي، بل أصبح تعبيرًا عن الهُوِيَّة العُمانيَّة وتجسيدًا للخصوصيَّة في الفضاء الرَّقمي الواسع، والصورة التي يحملها الإنسان العُماني عن وطنه، ويجسِّد فيها القِيَم الوطنيَّة في منصَّات التواصل الاجتماعي، بوصفه القوَّة الناعمة في عالم تتنافس فيه الدول على كسب الثقة وصناعة التأثير.

أمَّا الحدث الثاني، فيتمثل في صُدور قانون تقنيَّة المعلومات رقم (61/2026)، الذي يعكس قراءة وطنيَّة واعية للتحوُّلات الرَّقميَّة المتسارعة، وما تفرضه من تحدِّيات وفرص؛ ذلك أن القانون لم يقتصر على تنظيم البيئة الرَّقميَّة أو معالجة التجاوزات المحتملة فيها، بل يؤسِّس لِفَهْمٍ أعمق لِدَوْر التقنيَّة في بناء شخصيَّة المواطن، وتعزيز قدرته على التعامل الواعي والمسؤول والآمن مع الفضاءات المفتوحة. كما يؤصِّل لحضور القِيَم والمبادئ والثوابت والأخلاق العُمانيَّة في الممارسة الرَّقميَّة، بحيث ينطلق المواطن إلى العالم الرَّقمي الواسع وهو مسلَّح بالوعي والحكمة، وقادر على توظيف التقنيَّة بشكل أفضل في الإبداع والابتكار وصناعة القِيمة المضافة، مع المحافظة ـ في الوقت ذاته ـ على السَّمْت العُماني حاضرًا في سلوكه وخِطابه وتفاعلاته المختلفة.

وبالتَّالي، فإنَّ ما يُشكِّله هذان الحدثان من مؤشِّرات لملامح مرحلة جديدة يصبح فيها السُّلوك الرَّقمي امتدادًا للهُوِيَّة الوطنيَّة، وتتَّجه فيها الممارسة الرَّقميَّة الواعية، المعزَّزة بحضور القِيَم والأخلاق والمبادئ، لِتكونَ أداة لصناعة التأثير وتعزيز المكانة التنافسيَّة لسلطنة عُمان في الفضاء الرَّقمي، وهو أمر ينسجم مع الثوابت الوطنيَّة الدَّاعمة للحوار والتعايش والتكامل والسَّلام، ويجسِّد بصورة عمليَّة «خطَّة مسقط» باعتبارها نافذة الإنسانيَّة العُمانيَّة إلى العالم، التي جعلت من التقنيَّة والفضاءات الرَّقميَّة وسيلة لبناء إنسان أكثر وعيًا وقدرة على الفَهْم والتفاعل والإنتاج، والحفاظ على مساحات الأمان حاضرة عبر المنصَّات الرَّقميَّة مع غيره من شعوب الأرض. كما أنَّها مدخل لبناء ميثاق أخلاقي عالمي في التعامل مع هذه التقنيَّة ومستجدَّاتها، حماية وأمانًا للناشئة، وبناء الإنسان الواعي الذي يحوِّل الفرص التقنيَّة إلى مشاريع للتنمية، الأمر الذي يجعل من هذه العلاقة التكامليَّة، التي تصبُّ في الخصوصيَّة الوطنيَّة، موردًا استراتيجيًّا وقوَّة ناعمة قادرة نحو ترسيخ حضور سلطنة عُمان في المشهد الإقليمي والدّولي.

إنَّ الخصوصيَّة العُمانيَّة ـ بما تُمثِّله من منظومة متكاملة من الثوابت والأخلاقيَّات والآداب والعادات والتقاليد الأصيلة التي توارثها الإنسان العُماني عبر مختلف الحقب التاريخيَّة، والتزم بها منهجًا في حياته، عُرفت به ودلَّت عليه، وأسهمت في حفظ مكانته وتعزيز توازن شخصيَّته ـ قد ارتبطت بمنظورات عالميَّة في فن البروتوكول والإتيكيت، وفي إطارها الاجتماعي العام بما يتَّصل بالعادات والتقاليد والممارسات في المناسبات والأحداث الدِّينيَّة والاجتماعيَّة. وفي ظلِّ تنوُّع أدواتها، ووضوح معالمها، وعمق دلالاتها، واتِّساع حضورها في الحياة العُمانيَّة ومنظومتها الاجتماعيَّة وتفاعلاتها الأُسريَّة، فإنَّها تقدِّم اليوم ـ في ظلِّ التحوُّل نحو الفضاء الرَّقمي ـ نموذجًا متجددًا يصنع منها امتدادًا إلى العالم الرَّقمي، لِتُشكِّلَ إطارًا مرجعيًّا يحكم السُّلوك الرَّقمي، ويُعزِّز ثقافة الاستخدام المسؤول والآمن للتقنيَّات الحديثة، ويحافظ على الخصوصيَّة الشخصيَّة والمُجتمعيَّة، ويصون الهُوِيَّة الوطنيَّة والثقافيَّة من الذوبان أو التشويه، ويجعل من المنصَّات الرَّقميَّة فضاءات تعكس القِيَم العُمانيَّة في الاحترام، والالتزام، وحُسن الحوار، والمسؤوليَّة، وصون الحرمات، وحماية البيانات والمعلومات، ومراعاة الآداب العامَّة في النشر والتواصل. وهي قِيَم ينبغي أن تنتقلَ بذات العمق إلى الفضاء الرَّقمي؛ لِيظلَّ الامتداد الرَّقمي للشخصيَّة العُمانيَّة انعكاسًا صادقًا لخصوصيَّتها الحضاريَّة، وحصنًا يحفظ هُوِيَّتها وقِيَمها في عالم تتسارع فيه التحوُّلات الرَّقميَّة والانفتاح المعرفي.

وفي ظلِّ عالم رقمي واسع وفضاء كوني مفتوح، لم تَعُد الخصوصيَّة الوطنيَّة تُقاس فقط بقدرتها على حفظ الهُوِيَّة العُمانيَّة والثوابت والسَّمْت العُماني بكل تفاصيله، بل تعدَّت هذه المحطَّات إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال الأثر الذي تتركه هذه الخصوصيَّة في حياة الفرد والمُجتمع، والصورة التي يقدِّم بها المواطن العُماني وطنه وهُوِيَّته ومبادئه للعالم الخارجي. وهنا يأتي مفهوم المنافسة واستدامة التأثير وصناعة الحضور، لِتصبحَ معادلة القوَّة في فَهْم دَوْر الخصوصيَّة العُمانيَّة في إعادة تشكيل الوعي الرَّقمي للمواطن. ويبقى التساؤل المطروح: كيف يمكن للمواطن العُماني أن يحوِّلَ ممارساته الرَّقميَّة، في مختلف ظروفها وأوقاتها، إلى قوَّة ناعمة تعكس صورة وطنه، وتدعم مكانته وتنافسيَّة حضوره في العالم؟

لم تَعُد الممارسة الرَّقميَّة اليوم محصورةً في استخدام التقنيَّة أو التفاعل مع منصَّات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت أداةً مهِمَّة لصناعة الرأي العام، وبناء الصورة الذهنيَّة، وتشكيل الانطباعات، والتأثير في المُجتمعات. ولذلك فإنَّ كل ما يقدِّمه المواطن عبر هذه المنصَّات من خِطاب أو فكرة أو محتوى أو سلوك يُمثِّل امتدادًا لصورة الوطن، ويعكس جانبًا من هُوِيَّته وخصوصيَّته الوطنيَّة. لذلك، لم تَعُد الخصوصيَّة الوطنيَّة في العالم الرَّقمي مرتبطة بالمكان أو الحدود الجغرافيَّة، بل أصبحت ترافق المواطن أينما كان، في سفره وتنقُّله، وفي حضوره الرَّقمي وخطِابه الإعلامي وتفاعلاته اليوميَّة في هذه المنصَّات، وهي في تفاصيلها الدقيقة، وما ينسجه بين خطوطها من حروف وكلمات وتعبيرات، تصنع توجُّهات وتؤسِّس لصورة أخرى حول هذه الشخصيَّة، ما يضع المواطن العُماني، وهو يمارس حضوره في الفضاء الرَّقمي، أمام ميثاق أخلاقي والتزام ذاتي يستشعر فيه بأنَّه يحمل معه رسالة وطنه وقِيَمه وأخلاقيَّاته، ويعبِّر فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن الخصوصيَّة الوطنيَّة بما تتضمنه من حكمة ووعي واتِّزان والتزام بالمسؤوليَّة.

لقد أدركت سلطنة عُمان أن ما يعيشه هذا العالم من تسارع يؤسِّس لنهجٍ وطني في مراجعة منظومة التشريعات والقوانين؛ حيث جاء في خِطاب جلالة السُّلطان المُعظَّم: «وإننا لندرك جميعًا التحدِّيات التي تمليها الظروف الدوليَّة الراهنة، وتأثيراتها على المنطقة وعلينا، كوننا جزءًا حيًّا من هذا العالم، نتفاعل معه، فنؤثِّر فيه ونتأثر به». لذلك تأتي التشريعات الوطنيَّة المنظِّمة للفضاء الرَّقمي لِتُؤكِّدَ أهميَّة تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والمحافظة على القِيَم والثوابت الوطنيَّة، فإنَّ تنظيم البيئة الرَّقميَّة لا يعني المنع المطلق أو تعطيل مدركات البحث والمراجعة والتصحيح، أو يستهدف الحدَّ من فرص الإبداع والابتكار، بقدر ما يهدف إلى تعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيَّة، وحماية المُجتمع، وبخاصَّة الطفولة والناشئة والشَّباب، من مخاطرها واتِّساع تأثيرها، وترسيخ ثقافة الوعي والمسؤوليَّة في التعامل مع المنصَّات الرَّقميَّة.

ولمَّا كان النهج المتوازن الذي التزمته سلطنة عُمان في سياستها الخارجيَّة قائمًا على عدم التدخل في الشؤون الداخليَّة، والعمل على تعزيز الحوار والتفاهم واحترام الآخر والسَّعي إلى تحقيق السَّلام والاستقرار، فقد انعكست هذه المبادئ على صورتها الدوليَّة، فأصبحت تحظى باحترام وثقة مختلف الأطراف. فإنَّ الخصوصيَّة الوطنيَّة العُمانيَّة، بما تحمله من قِيَم الاعتدال والتسامح والاتِّزان والاحترام المتبادل، تُشكِّل اليوم ثروة ثقافيَّة وفكريَّة وطنيَّة لا تقلُّ أهميَّة عن الموارد الاقتصاديَّة الأخرى، بل قد تفوقها أثرًا واستدامة، في ظلِّ ما يُؤكِّده واقع اقتصاد المعرفة من أن الأُصول الفكريَّة والثقافيَّة والفنيَّة غير الماديَّة تُشكِّل اليوم أهميَّة كبرى في دعم الاقتصاد العالمي، وإضافة استثمارات عالية النتائج في المنظومة الاقتصاديَّة الدوليَّة، الأمر الذي سيفرض حضوره على التأثير الحضاري وصناعة الثقة وكسب الاحترام الدّولي.

أخيرًا، فإنَّ المحافظة على الخصوصيَّة الوطنيَّة العُمانيَّة، وتعزيز حضورها في الوعي الجمعي، وتوظيفها في بناء صورة دوليَّة مشرقة لسلطنة عُمان، يُمثِّل مسؤوليَّة وطنيَّة مشتركة تتكامل فيها جهود المؤسَّسات والأفراد. كما أنَّ استثمار هذا الرصيد الثقافي والحضاري في تعزيز اقتصاد المعرفة والتحوُّل الرَّقمي والصناعات الإبداعيَّة والدبلوماسيَّة الثقافيَّة من شأنه أن يفتحَ آفاقًا جديدة أمام التنمية الوطنيَّة، ويُعزِّز من قدرة عُمان على مواصلة رسالتها الإنسانيَّة والحضاريَّة في نشرِ قِيَم السَّلام والتَّسامح والتَّعايش والأُخوَّة الإنسانيَّة. فإنَّ مسؤوليَّتنا الوطنيَّة اليوم تتمثل في بناء أدوات أكثر قدرة على ترسيخ الهُوِيَّة الوطنيَّة في نفوس الأجيال، وتعزيز حضورها في البرامج والمبادرات والمشروعات التنمويَّة، وربطها بمنظومة التحوُّل الرَّقمي واقتصاد المعرفة والصناعات الإبداعيَّة. كما تقتضي العمل على تسويق هذا الرصيد الحضاري والثقافي للعالم، وإبراز ما تمتلكه سلطنة عُمان من مُقوِّمات إنسانيَّة وحضاريَّة جعلتها نموذجًا فريدًا في الاعتدال والتَّسامح والتَّعايش.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]