الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 م - 24 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية وهندسة العلاقات الدولية

فن الدبلوماسية وهندسة العلاقات الدولية
الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 02:50 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

بدأ كثير من الكليَّات الأجنبيَّة، وخصوصًا البريطانيَّة، المتخصِّصة بالعلوم السياسيَّة والعلاقات الدوليَّة والعامَّة، بتحديث محاور وأبجديَّات مناهج العلاقات الدوليَّة استنادًا إلى التغييرات التي تتسارع أكثر من عقرب الساعة، وتغيُّر مستوى ونوع العلاقات الدوليَّة أيضًا استنادًا إلى الأرضيَّة الجديدة التي ظهرت على الساحة. فالمراقب لهذه الأمور يلاحظ بوضوح بأنَّ أجندة وسِمات العلاقات الدوليَّة بعد الحرب العالميَّة الثانية كانت تعتمد كثيرًا على أيديولوجيَّات ونظريَّات الأحزاب، وكان هدف هذه الأحزاب كيفيَّة نشر أفكارهم وآرائهم بمختلف بقاع الأرض، بعيدًا عن التقاليد والعادات والدِّين والمذهب، تحت مظلة الحزب الأوحد. وفعلًا انتشرت بعض هذه الأحزاب في بقاع مختلفة، مستندين إلى نشرِ وبثِّ أفكارهم، وإن كانت غير صحيحة. وبدأت هذه الأحزاب بغسل أدمغة الشَّباب والاعتماد عليهم للسيطرة على تلك البقعة أولًا. وبالمعنى الأصح، بدأت الأحزاب تنتشر مثل مرض السرطان، معتمدة فقط على مبادئ الحزب وإقامة علاقات دوليَّة على مدى انتشار هذا الحزب في تلك البقعة أو من عدمه. فنرى منبع هذا الحزب يدعم تلك البقعة استنادًا إلى عدد المنتمين لهذا الحزب وأهميَّتهم في تلك الحكومة أو الدَّولة، بمعنى أن العلاقات الدوليَّة في القرن الماضي وبدايات هذا القرن اعتمدت كثيرًا على أيديولوجيَّات الحزب. ولكن قَبل أكثر من (25) عامًا، بدأت نظريَّات وسِمات تختلف كثيرًا عن السابق وتُحقق ازدهارًا للشعوب، بعيدًا عن تلك الموجودة سابقًا. وتتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة البريطانيَّة بأن تغذِّيَ الكليَّات والجامعات الإنجليزيَّة بجميع التغييرات الجيوسياسيَّة، وكذلك الحكومة الرَّقميَّة، معتمدةً كثيرًا على الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة التي ظهرت بصورة واسعة في ثمانينيَّات القرن الماضي. وهذا ما نلاحظه على جمهوريَّة الصين التي استندت إليها، واستبدلت هُوِيَّة ووجْه العلاقات الدوليَّة من الأحزاب إلى الأرقام، بمعنى الاقتصاد والتجارة، وهي ما تُسمَّى «الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة»، والتي يحملها بكل اقتدار مولانا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم «حفظه الله ورعاه»، حيث يجوب بقاع الأرض استنادًا إلى مفاهيم العلاقات الدوليَّة الحديثة، وهو الاقتصاد، بالإضافة إلى البنود والمجالات الأخرى التي يتطرق إليها. وزيارته الأخيرة إلى القارَّة الإفريقيَّة خير دليل على تبدل هُوِيَّة العلاقات الدوليَّة من مبادئ الأحزاب والنظريَّات الدخيلة على الشعوب إلى الاقتصاد، وأنَّ إقامة أيِّ علاقات دوليَّة تستند كثيرًا إلى الاقتصاد، أي الأرقام، وهي (هندسة العلاقات الدوليَّة) قَبل كل شيء. وكذلك كثير من المؤتمرات التي عُقدت في روسيا خلال الخمس سنوات الماضية، التي تسير بنفس مسار الاقتصاد بعيدًا عن الشعوبيَّة والسياسة العابرة للقارَّات، لِتبدأَ الحكومات بتطبيق سياسيات جديدة، وهي «مبدأ السُّلطة التنفيذيَّة»، وهو من مبادئ السياسة الاقتصاديَّة المعاصرة، والذي يعطي بُعد نظر لقادة الحكومة باعتماده العلاقات الدوليَّة الحديثة والمعاصرة من أجلِ ازدهار الشعوب وتنمية البلد.

الجامعات البريطانيَّة والصينيَّة حدَّثت مفاهيم العلاقات الدوليَّة إلى هندسة العلاقات الدوليَّة، بمعنى اعتماد الأرقام مثل المهندسين، والمصالح المتبادلة تحت مظلَّة الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة، وتحقيق الازدهار والتنمية بجميع مجالاتها، وتبادل الخبرات التي تضخ إلى ميزانيَّة الحكومة إيرادات ماليَّة تساعد في ارتفاع الدخل القومي للشخص. وتؤدِّي البعثات الدبلوماسيَّة، التي هي عين وعقل الدَّولة بالخارج، والتي ترفع وترسل التقارير إلى مركز الوزارة حول كيفيَّة الوصول إلى الاكتفاء الذَّاتي في تحقيق كل مفردات الحياة للمواطن والانتقال به إلى مرحلة الرفاهيَّة، من خلال معرفة كيفيَّة تعزيز العلاقات الدوليَّة مع الشركات الكبرى الرَّصينة أو مع حكومات الدول بخصوص تبادل المصالح، بعيدًا عن تصدير نظريَّات ومبادئ هذا الحزب، وبالتَّالي هذا منافٍ للقرارات الدوليَّة؛ لأنَّه يُعَدُّ تدخُّلًا سافرًا في شؤون الدَّولة. لذلك تحوَّلت الآن العلاقات الدوليَّة إلى أرقام محقَّقة ومدروسة ومتَّفق بين الطرفين لبناء علاقات وثيقة ومترابطة، مثل الهندسة بجميع أنواعها التي تعتمد الأرقام والنتائج.

تقسم هندسة العلاقات الدوليَّة إلى جزءين رئيسين؛ الجزء الأول هو الأبعاد، وهي (الدبلوماسي والسياسي العلاقات بين الدول والحكومات، الاقتصادي والأمني المصالح والاستقرار والتعاون، الثقافي والإنساني والإعلامي التواصل)، مستندين إلى اتفاقيَّة «فيينا» للعلاقات الدبلوماسيَّة عام (1961)، وهي اتفاقيَّة دوليَّة تُحدِّد الإجراءات والضوابط الخاصَّة بالعمل الدبلوماسي بين الدول، وتبيِّن الحقوق والواجبات الخاصَّة بأفراد البعثات الدبلوماسيَّة، كما أتتْ على تحديد عدَّة مفاهيم، كالحصانة الدبلوماسيَّة وقطع العلاقات، وغيرها من صلاحيَّات ومهام الكادر الدبلوماسي في البعثات.

والجزء الثاني في أقسام هندسة العلاقات الدوليَّة هو: العلاقات السياسيَّة الدبلوماسيَّة (لا توجد فيها أرقام اقتصاديَّة)، العلاقات الاقتصاديَّة الدوليَّة (نموذج الصين)، العلاقات الأمنيَّة والدفاعيَّة (استنادًا إلى موقع الدَّولة)، العلاقات القانونيَّة الدوليَّة (القانون الدولي)، القانون والمنظَّمات الدوليَّة (الأُمم المُتَّحدة)، العلاقات الثقافيَّة والإنسانيَّة (تبادل ثقافي)، العلاقات البيئيَّة والتنمويَّة (الأمن الغذائي والمائي)، العلاقات الإعلاميَّة والاتِّصال الدّولي (الدبلوماسيَّة الشَّعبيَّة والرَّقميَّة).

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت