مسقط ـ العُمانية: ثمة تساؤلات حول النقد عادة ما تتقاطع مع واقع الشعر الشعبي في سلطنة عُمان من أجل النهوض به، وتبرز بصورة واضحة وهو يواصل حضوره كونه أحد أهم ركائز الهوية الثقافية، ليبقى متكئًا على إرثٍ ثري وتجارب متجددة إبداعية تعكس نبض المجتمع وتحولاته المتعددة. ومع تفرّع مشهد الثقافة وتطور أدواته التي تؤسس للنشر والتلقي تبرز الحاجة إلى حقيقة النقد الواعي الذي يواكب هذا الحراك الثقافي. ذلك النقد يقرأ التجارب الشعرية بمنهجية علمية ويفتح آفاق التجديد والابتكار. يقترب التقرير من جملة من النقاط في هذا السياق يتمثل في كون النقد شريك صناعة القصيدة الشعبية العُمانية، وكيف يمكن أن يتحول من مجرد قراءة لها إلى شريك في تطوير التجربة الشعرية الشعبية.
في هذا السياق يقول الكاتب والشاعر العُماني محمد الصالحي: لقد مر الأدب العُماني بشقيه، الشعري والنثري، بتحولات كبيرة، فقد كان قبل السبعينات مشغولاً بالواقع الاجتماعي المرتبط بالإنسان «محليًا» وخارجيًا، ما ألقى بظلاله على نتاج الأدب، لذا يُلاحظ في الكتابات العُمانية في ذلك الوقت التقليل من الجانب العاطفي، وإن وُجد فسيجده الباحث خجولاً لا يرتقي إلى مستوى القصائد العاطفية المعروفة لدى المتتبع العربي. أما الأدب بعد السبعينات فقد أخذ منحى آخر، إذ تطرق الكاتب والشاعر العُماني إلى مجالات لم تكن مطروقة من قبل، وساعد على هذا التحول دور الإعلام، سواء المقروء أو المسموع أو المرئي، حيث تبارت وسائل الإعلام في إظهار الأدب بأثواب مختلفة، وسهلت للمتلقي وصول المنتج الأدبي بكل تفاصيله وصوره.
وأضح: يرتكز الأدب العُماني على تاريخ وموروث ضارب في عمق الزمن، وهذا يلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق الناقد؛ فمن المهم جداً له أن يعي التطور التاريخي للإنسان في سلطنة عُمان، والتحولات التي طرأت على مجالات النثر والقصيدة، فضلاً عن التحول البنيوي ولا سيما في القصيدة بمجاليها الشعبي والفصيح. فهناك تيارات حداثية تلقي اليوم بشباكها على المستقبل الأدبي، وتتصدر المشهد، وخاصة مع تعاطي الكثير من شعراء الجيل الجديد والشاب مع «قصيدة النثر» التي أخذت في الظهور والانتشار.
وفي شأن النقد وصناعة الذائقة الشعرية وانعكاس ذلك على جودة الإنتاج الشعري يقول الباحث والشاعر أحمد الجحفلي: النقد الأدبي بعمومه يسهم إلى حد كبير في بناء الوعي الجمعي والذائقة الأدبية لأي متلقي وأي مجتمع ذلك وتلك الذائقة الأدبية والشعرية التي تعد أبرز مستقبلات الإبداع والعصب النابض للمفاضلة بين الغث والسمين بين كل أشكال الأدب والشعر على الساحة العُمانية والخليجية على السواء.
وأضاف: إن تطرقنا إلى الشعر وخصصنا الشعبي أو العامي كما أحب أن «أسميه»، فإننا حتمًا سنمر بتجارب غنية وحاضرة ومراحل ولكل مرحلة شعراؤها الذين حملوا لواءها ونقادها الذين تبنوا دراستها بحيادية وإنصاف وجمهورها المتفاوت في الذائقة والاختيار. وأزعم أن شعراء الأمس القريب يختلفون عن جيل اليوم فهم المؤسسون للمسيرة الشعرية المدارس التقليدية والحداثية وهم الذين كان يحتفى بهم عند إصدار دواوينهم وأمسياتهم الشعرية وحضورهم في المسابقات الشعرية والملتقيات الأدبية والسجالات وحتى في الأغنية بعكس اليوم، فلم يعد ذلك التلهف للإبداع والاستمرار موجودًا ولم يعد ذلك القبول ووجود الجمهور والنقاد متاحًا بفضل الملهيات وقلة النتاج حتى الدعم الرسمي والدعوات للفعاليات الشعرية أو النقدية خبت مع توجه البعض إلى كتابة القصة والرواية كونهما يحصدان الترحيب من موسسات عُمانية وعربية أفضل من الشعر.
كما يتحدث الكاتب إبراهيم سعيد عن استطاعة النقد أن يواكب التحولات التي يشهدها الشعر الشعبي العُماني، ويقرأ التجارب الجديدة بروح منفتحة تُبرز مكامن التميز والإبداع ويقول: بظني وحسب ما لمسته خلال الأعوام المنصرمة، خاصة ما شهدته في الملتقى الأدبي 26 بالبريمي عام 2023م، ـ على سبيل المثال لا الحصر، من التجارب القوية واللافتة والمجددة وذات الصوت الخاص والإهتمام الفني والتثقيف الذاتي الذي يعمل عليه الشعراء الشعبيون الشباب، فيمكنني القول أن هناك تحولات عميقة يشهدها الشعر الشعبي، لكن الشعراء المجددين لم يبرزوا بعد بحكم الشللية والتقوقع في المشهد الثقافي العام، مع ذلك هناك أسماء مجددة تواصل حمل شعلة هذا الفن ليواكب عصره، أما العمل النقدي المواكب فأظن أن بعض المفاهيم معنا بحاجة إلى إعادة تفكيك، ذلك أن نظرتنا للأدب الشعبي متأثرة بتاريخ الأدب العربي التي ظلت تسقط الشعر الشعبي من التدوين، حتى أنك بالكاد تجد نصوصًا شعبية تعود لأكثر من عدة قرون، وكان أقدم نص عُماني شعبي هو ما كتبه الشاعر (راشد الحبسي) أيام دولة اليعاربة وهو ما كان الشاعر الراحل (حمد الخروصي) أول من لفت الانتباه إليه، وهذه الحادثة تدلنا على ما يمكن أن يضيفه النقد في مواكبة الشعر الشعبي، سواء من حيث التأريخ أو من حيث إلقاء الضوء على القوة الفنية الكامنة في هذا الفن، واليوم ينظر عالميًا إلى الشعر أيًا كانت لهجته كونه وحدة واحدة، ولا يمكن أن نسقط الشعر الشعبي من تاريخ الأدب كما بقينا نفعل، وبالتأكيد لا يمكن أن نسقطه من مشهد الأدب العُماني المعاصر.
أما الشاعر عبدالحميد الدوحاني فيتطرق إلى النقد واستشراف مستقبل الشعر الشعبي وهنا يقول أن النقد هو المفتاح الرئيسي في بناء الشاعر والقصيدة بل وفي كل مجال ، فإن لم يكن هناك نقد فتأكد أنه لا يوجد أي تقدم، فبناء القصيدة المتكاملة يعتمد على أساسيات كثر لابد من تواجد نسبة كبيرة منها أثناء الكتابة، فلم تعد القافية بمصاحبة الوزن مع وجود الفكرة والموضوع هي أساس القصيدة، بل ومن الممكن أن نجد قصائد تخلو من تلك العناصر الأربعة ولكنها تتسم بملامح الجمال الحقيقي للنص من خلال الحوار الجمالي والصوري بين السطور، حيث أصبح النص الشعري أشبة بالفيلا الحديثة المليئة بالجماليات التي تعطي طابعًا جذابًا لكل من يزورها ويتفقدها من الداخل، كل هذا وذاك لا يمكن الحصول عليه والوصول إليه إلا من خلال النقد البناء والتوجيه المصاحب لبناء القصيدة.