الاثنين 05 أكتوبر 2026 م - 23 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : التربية الفكرية فـي زمن التحولات الرقمية مشروع وطني لإعادة تشكيل الوعي الجمعي

في العمق : التربية الفكرية فـي زمن التحولات الرقمية مشروع وطني لإعادة تشكيل الوعي الجمعي
الاثنين - 05 أكتوبر 2026 02:56 م

د.رجب بن علي العويسي

في ظل تراكميَّة التحدِّيات التي باتت تواجهها الناشئة المعاصرة اليوم، وخصوصًا ذات البُعد الفكري والتقني والرَّقمي، وتأثيراتها على هُوِيَّة الناشئة وإعادة تشكيل شخصيَّتها، وتداعيات ذلك على منظومة التربية القِيَميَّة والأُسريَّة والتنشئة الوالديَّة، ومستوى حضور موجِّهات الضبط الاجتماعي ومفهوم العلاقات الأُسريَّة. تطرح هذه التراكمات والتحدِّيات أساليب جديدة وأدوات مُتجدِّدة وأُطرًا واستراتيجيَّات قد تختلف في شكلها وطبيعتها عمَّا اعتادت عليه الناشئة أو تعوَّد عليه مُجتمع الكبار.

لذلك، لم تَعُد التربية الفكريَّة للناشئة قضيَّة تخصُّ مؤسَّسة بِعَيْنِها، أو مسؤوليَّة يمكن حصرها في المدرسة أو الأُسرة أو المؤسَّسات التعليميَّة والإعلاميَّة ومراكز التنشئة والبحث والتطوير، بل أصبحت مشروعًا وطنيًّا متكاملًا تتشارك في صناعته مختلف منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها التي تتفاعل مع الإنسان في تفاصيله واحتياجاته وأولويَّاته واهتماماته منذ طفولته، وتؤثِّر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أفكاره وقِيَمه وسلوكه وتصرُّفاته وتصوُّراته عن ذاته ومُجتمعه ووطنه والعالم من حوله. فالناشئة في عصر التحوُّل الرَّقمي وتأثير المنصَّات الجديدة، ودخول الكثير من المؤثِّرات في خط التربية والتنشئة والبناء، تنشأ اليوم في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها المؤثِّرات الأُسريَّة والتعليميَّة والإعلاميَّة والثقافيَّة والدينيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، في ظلِّ فضاء رقمي مفتوح جعل من العالم أجمع قرية واحدة، ولم تَعُد حدوده الجغرافيَّة أو المؤسَّسيَّة قادرة على ضبط ما يصل إلى الناشئة من أفكار ومعلومات ومحتوى.

ومن هنا تبرز أهميَّة إعادة قراءة مفهوم التربية الفكريَّة للأجيال، ليس باعتبارها عمليَّة تلقين أو تقنين لمجموعة من المعارف والمعلومات أو القِيَم، أو تقنين ما يدخل إلى ذهن وفكر وقناعة ويصل إلى هذه الناشئة عبر الفضاءات الرقميَّة، رغم الحراسة المُشدَّدة من قِبل الأُسرة والمنع من دخول الأجساد الغريبة في حياته، وإنَّما باعتبارها عمليَّة مستمرَّة لبناء الإنسان القادر على التفكير، والتمييز، والنَّقد، والحوار، وحكمة التصرف في المواقف، وتحمُّل المسؤوليَّة، وإعادة هندسة الذَّات مع كل موقف نجحت فيه الناشئة أو لم تُحقق مستويات النجاح.

وعليه، يمكن النظر إلى عمليَّة التربية الفكريَّة من خلال جملة من المرتكزات الأساسيَّة:

أولًا: التأكيد على أهميَّة أن تكونَ البداية من الأُسرة باعتبارها اللبنة الأولى في تأسيس القِيَم والأخلاق وتعظيم قوَّة البنية الفكريَّة للأبناء من خلال ما تمتلكه الأُسرة من ثراء معرفي وتنوُّع في أدوات التربية وصناعة المواقف، وهو أمر يُؤكِّد أهميَّة إعادة الهيبة والاعتبار للأُسرة والضبط الأُسري، ما يضع الأُسرة والوالديَّة أمام مسؤوليَّة البحث عن المحتوى الفكري الذي يتلقاه الأبناء، سواء من خلال منطوق الخِطاب اليومي والمحتوى المتداول في نطاق الأُسرة، والحوار والكلمات التي تقال في المواقف والظروف، سواء كانت على سبيل المزاح أو الجديَّة، ومسار الحوار الأُسري وكيفيَّة تبادل المعلومات وتلقي التوجيهات وآليَّة ضبط الخلافات داخل الأُسرة. فإنَّ لهذه الأحداث أثَرها في الصورة التي تقدِّمها للناشئة أو الأطفال، والصورة التي يقرؤون بها الأشياء ويقرؤون بها العالم الآخر. وكلَّما استطاعت الأُسرة المحافظة على درجة أكبر من التوازنات في الخِطاب والحوار والثراء المعلوماتي والإجابة عن التساؤلات، وإدخال الأبناء في عمليَّات التخطيط الأُسري والتفكير الجمعي، وبناء جلسات عصف ذهني، وبناء مجموعات عمل مشتركة عبر التكليف والصلاحيَّة الممنوحة في بعض المهام، بحيث يكون للبناء حضور فيه، كل ذلك وغيره من شأنه أن يحافظَ على مسار التربية الفكريَّة الواعية التي يستشعر فيها الأبناء حجم المسؤوليَّة ومساحة الأمان ومسار التحوُّل والجهد والتفكير المطلوب منهم في هذا المسار.

ثانيًا: مع التحوُّل الرَّقمي وتأثيره في حياة المُجتمعات ومفاصل التنمية المستدامة، في وقت أصبحت فيه المنصَّات الرقميَّة ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًّا من حياة الأبناء، بما تتيحه لهم من فرص هائلة للتعلم والإبداع والتواصل، إلَّا أنَّها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام اتِّساع وانتشار وحضور المحتويات المضلِّلة والأفكار السطحيَّة والمعلَّبات الفكريَّة التي تحمل في أهدافها التطرف الفكري والانحراف الأخلاقي والدَّعوات المبطنة إلى تداول مفاهيم الاستقلاليَّة غير المضبوطة والنسويَّة والإلحاد والمثليَّة. ومع ظهور أنماط جديدة من التأثير تتَّصل بتغيُّر منظومة القِيَم، وضعف الحوار، وانتشار الأحكام السريعة، والتعصُّب للرأي، والتنمُّر، والعنف اللفظي، والتقليد غير الواعي، وتراجع قِيمة القدوة، وهي أنماط قد تتجاوز في قوَّتها ما تقدِّمه المؤسَّسات التقليديَّة، التي عليها أن تتطورَ في لُغة خِطابها ووسائل تواصلها، وأن تقدِّمَ المحتوى بصورة جاذبة ومقنعة وتفاعليَّة، تراعي طبيعة العصر واهتمامات الشَّباب دون أن تتخلى عن القِيَم والثوابت، ووفق منهجيَّات وأُطر عمل تصنع التغيير والممارسة الحقيقيَّة في سلوك الأُسرة، والمعلِّم، والإعلامي، والمسؤول، وصانع المحتوى، وفي الطريقة التي تُدار بها المؤسَّسات والعلاقات الاجتماعيَّة. ولذلك، فإنَّ التحدِّي المرتبط بالتقنيَّة والمخاطر الرقميَّة الناتجة لم يَعُد في منع الأبناء من الوصول إلى المحتوى الرَّقمي، وإنَّما في تمكينهم من امتلاك الوعي الرَّقمي الذي يجعلهم قادرين على التمييز بين المعرفة والمعلومة المضلِّلة، وبين الرأي والحقيقة، وبين المحتوى الهادف والمحتوى الذي يستهدف التأثير في سلوكهم وقناعاتهم.

ثالثًا: إنَّ من بين الأمور التي أصبحت تُشكِّل أساسًا في التربية الفكريَّة يكمن في إعادة النظر في آليَّة تقديم المحتوى للأجيال، فالأجيال الجديدة لم تَعُد تستقبل المعرفة بالطريقة ذاتها التي كانت سائدة سابقًا، وبالتَّالي، الانتقال من التَّوجيه إلى بناء القدرة على الاختيار، ذلك أن نجاح التربية الفكريَّة الواعية يكمن في تمكنهم من إتقان الأدوات التي تجعلهم قادرين على اكتشاف ذلك بأنفسهم. ومن هنا تبرز أهميَّة التفكير الناقد، والبحث عن الدليل والشواهد، والتعلُّم الذَّاتي، والقدرة على تحليل المعلومات، والتقييم الذَّاتي، والحوار، والتواصل، والعمل الجماعي، والمبادرة، وحل المُشْكلات. فهذه المهارات هي التي تمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة المؤثِّرات المتغيِّرة واتِّخاذ القرار الواعي. وأصبح من الضروري أن يراعيَ المحتوى الوطني والقِيَمي والتوعوي في تكوينه جملة من المرتكزات الضامنة لقدرة الأبناء على استيعاب ما يحمله المحتوى من موجِّهات وتطبيقه في إطار وعي والتزام وتجدُّد وتنوُّع، إذ لا يكفي أن يكونَ صحيحًا في مضمونه، بل ينبغي أن يكونَ قادرًا على الوصول إلى الأجيال في المنصَّات التي تستخدمها، وباللُّغة التي تفهمها، وبأساليب تستثير التفكير والحوار وتُعظم مسار المشاركة وتعدُّديَّة وجهات النظر للوصول إلى قرار سليم ومنتج فكري متنوِّع يُعزِّز من صناعة البدائل ويقدِّم حلولًا عمليَّة للتحدِّيات.

ومع ذلك، تبقى قدرة هذا المحتوى على الولوج إلى فكر وقناعة وتصرُّفات وممارسات الناشئة مرهونة بأمرَيْنِ، أولهما وجود القدوات والنماذج التي تحافظ على ضرورة وصول هذا المحتوى في حياة الأبناء، سواء كان في الأُسرة أو مؤسَّسات التعليم أو الإعلام أو غيرها، ولذلك، فإنَّ الأُسرة والمدرسة والإعلام والمؤسَّسات الدينيَّة والثقافيَّة والمُجتمعيَّة مطالبة بأن تقدِّمَ نماذج مضيئة تحترم القانون، وتقدِّرَ العمل، وتحترمَ الآخر، وتؤمنَ بالحوار، وتتعاملَ مع الاختلاف باعتباره فرصة للفَهْم لا سببًا للصراع. إنَّ صناعة القدوات ودعم النماذج الإيجابيَّة من الشَّباب يمكن أن تكونَ من أكثر الأدوات تأثيرًا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي. أمَّا الأمر الثاني، فيرتبط بوجود منظومة متكاملة للرصد والتقويم، وتعظيم مسار الحوكمة والتقنين عبر وجود أدوات ملاحظة ودراسة دَوْريَّة للتعرف على التحوُّلات التي تطرأ على أفكار الناشئة وقناعاتهم واهتماماتهم؛ لضمانِ فَهْم أعمق للواقع واكتشاف الأسباب ومعالجة المُشْكلات من خلال دراسة تأثير البيئة الاجتماعيَّة والإعلاميَّة والرقميَّة، وأنماط التفاعل داخل الأُسرة والمدرسة والمُجتمع، ومستوى الثقة بالمؤسَّسات، وتصوُّرات الشَّباب تجاه المستقبل والتعليم والعمل والحياة العامَّة.

أخيرًا، يبقى التحدِّي الأكبر في تعزيز حضور التربية الفكريَّة باعتبارها مشروعًا وطنيًّا لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، مرهونًا بمراجعة الأدوات والبرامج والسياسات والمحتوى الذي يقدَّم للأجيال، وقياس أثَره الحقيقي في السلوك والقناعات، بما يعني بناء منظومات قادرة على تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وصناعة مواطن متَّزن فكريًّا، واعٍ بمسؤوليَّته، معتزٍّ بهُوِيَّته، منفتح على العالم، وقادر على التمييز بين المعلَّبات الفكريَّة، واختيار ما يُناسبه منها، وتحويل المعرفة إلى ممارسة، والقِيَم إلى سلوك، ولِتظلَّ التربية الفكريَّة عمليَّة وطنيَّة تنتجها الأُسرة والمدرسة والإعلام والفضاء الرَّقمي والثقافة المُجتمعيَّة والوعي الجمعي. وكلَّما نجحت هذه المنظومات في تنسيق جهودها وتوحيد رسائلها وتطوير أدواتها، كانت أكثر قدرة على مواجهة التحدِّيات الأخلاقيَّة والتقنيَّة والفكريَّة، وعلى صناعة جيل قادر على إنتاج المعرفة، ونقدها، وتوظيفها، وتصحيح المعلومة وضبطها وفهمها وتحليلها وتقييم مصادرها، مع المحافظة على هُوِيَّته وثوابته وسَمْته العُماني وقِيَمه الأصيلة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]