الكثير من النساء والأخوات والأمهات تتسع حياتها لكل شيء من مشاغل العمل والأسرة إلا موعد واحد في مركز الأشعة للإطمئنان على صحتها. ولا أظن أن الإهمال هو ما يؤخرها، ولعله خوف يتنكر في ثوب الانشغال. من هنا أبدأ حديثي عن أكتوبر الوردي، فاللون في حقيقته رسالة موجهة إلى كل من تقول (ليس الآن أو لاحقا)!
وهنا ذكرت منظمة الصحة العالمية أن نحو مليونين وثلاثمئة ألف امرأة أُصبن بسرطان الثدي في عام ٢٠٢٢ ميلادية، وأن قرابة ستمئة وسبعين ألفا متن بسببه. ولهذا صار أكثر سرطانات النساء انتشارا في العالم. لكني كلما قرأت هذه الإحصاءات توقفت عند سؤال آخر: كم من هؤلاء كان يمكن أن يلحقن بالوقت؟ كيف ولا؟ ودراسات أُجريت في عدد من البلدان العربية أظهرت أن عددا كثيرا من الحالات يصل إلى الطبيب وقد تقدم المرض، بل وللأسف الشديد بدأت تظهر علامات سرطان الثدي في أعمار أصغر مما تسجله أوروبا.
بطبيعة الحال، ففي السويد -مثلا -وجدوا أن الفحص المنتظم بالتصوير الشعاعي خفض الوفيات بنحو الثلث. وفي عام ٢٠١٥م راجعت الوكالة الدولية لبحوث السرطان الأدلة كلها، وخلصت إلى أن دعوة النساء إلى الفحص بانتظام تخفض الوفاة بنحو الربع. حتى أنه يذكر أن تلك النساء التي يكشف الورم عندهن وهو ما زال في الثدي، تعيش أكثر من تسعين في المئة منهن بعد خمس سنوات. طبعا إذا وصل المرض إلى أعضاء بعيدة، ستغير القصة كلها!
لذلك وبشكل حقيقي بدأت وزارة الصحة عام ٢٠١٦م برنامجا للتصوير الشعاعي للثدي بهدف الاكتشاف المبكر، وسبقتها الجمعية العمانية للسرطان بوحدتها المتنقلة، التي فحصت أكثر من تسعة عشر ألف امرأة منذ إطلاقها في نوفمبر ٢٠٠٩م. وفي عام ٢٠٢٥م أطلقت الوزارة الطبعة الثانية من الدليل الوطني للكشف المبكر عن سرطان الثدي والفحص. أما على صعيد العلاج، فتناولت دراسة من مركز السلطان قابوس الشامل لرعاية وأبحاث السرطان مائتا وسبعة امرأة شُخّصن بسرطان الثدي المبكر في خمس سنوات، وكان متوسط أعمارهن ستة واربعون عاما، وبحثت في جدوى التصوير الإضافي لتحديد المرحلة. هذه الدراسات تدل على أن الطب العماني بشكل واقعي بدأ يسأل أسئلة أدق: ليس فقط من تصاب، بل كيف نعالجها بشكل أفضل؟!
أما بالنسبة للتوصيات الطبية، ففي عام ٢٠٢٤م أوصت الخدمات الوقائية الأمريكية بأن تبدأ المرأة التصوير الإشعاعي في الأربعين، ثم تكرره كل عامين حتى الرابعة والسبعين، بعد أن كانت عند سن الخمسين. ولكن في السلطنة خدمة الكشف المبكر عن سرطان الثدي تستهدف الآن النساء من سن الخامسة والثلاثون إلى الرابعة والسبعون عاما، وذلك لأن الحالات بين الأصغر سنا آخذة في الارتفاع!
وهنا يجب أن أؤكد لكل إمرأه وأخت ووالدة وزوجة، بأن الفحص الذاتي لا يغني عن الأشعة، لكنه يعلمك كيف هو جسدك كما تعرفين ملامح وجهك، ككتلة لم تكن، أو جلد تبدل لونه وملمسه، أو حلمة انسحبت، أو سائل لا تعرفين مصدره. ومعظم الكتل حميدة، وهذا خبر طيب، لكنه لا يصلح عذرا للتأجيل، فالطمأنينة الصادقة لا تأتي من التخمين، بل من فحص يؤكدها.
والأهم من ذلك فقد تغير العلاج عما عرفته أمهاتنا. فصار الأطباء ينظرون إلى كل ورم على أنه حالة بذاتها لها بصمة جزيئية: فهنالك الآن علاج هرموني للأورام التي تتغذى على الهرمونات، وعلاج مناعي لبعضها وهكذا! مع تراجع الجراحات الواسعة أمام الاستئصال المحافظ الذي يبقي على الثدي ما أمكن ذلك.
يبقى-بلا شك- ما لا تلتقطه المجاهر. فتلك المريضة تحمل خوفها قبل تشخيصها، وتحسب نظرات الناس قبل أن تقرأ نتائجها. لذلك تتفق أبحاث الدعم النفسي في علاج الأورام على أن من تجد من يسندها في بيتها تلتزم بعلاجها أكثر وتحتمل مشقته بشكل أيسر.
ختاما، أيتها الابنة، والأخت اوالزوجة والأم الكريمة إذا كنت ممن يقولن غدا! فاحجزي موعدك اليوم لفحص الكشف المبكر عن سرطان الثدي وأنت تقرئين هذه السطور. وإن كنتَ رجلا، فاسأل أمك وأختك وزوجتك متى كان آخر فحص لهن، وتذكر أن الرجال قد يصابون بهذا المرض أيضا وإن ندر!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي