الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 م - 24 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

النمو كما نراه فـي السوق

النمو كما نراه فـي السوق
الاثنين - 05 أكتوبر 2026 02:50 م

إبراهيم بدوي

10

عندما يقول لك عميل «سيتمُّ تأجيل المشروع هذا العام»، تتراكم في ذهنك أفكار عن السَّبب، وتراجع ما دار بينكما من حديث، وما أرسلته إليه من عروض. رُبَّما كانت التكلفة أعلى ممَّا توقع، أو لديه التزامات أولى بالإنفاق، أو أنَّه ينتظر تحسُّن الطلب قَبل الدخول في استثمار جديد. لذا تحاول أن تفهم، فأنت تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت الفرصة ما زالت قائمة، وما يمكنك فعله بشأنها. وفي عمل المبيعات والتسويق، يعرف الجميع أن وراء كل قرار حسابات قد لا يطلعنا العميل عليها، وأن التأجيل في منشأة واحدة لا يكفي للحكم على السُّوق. لكن تكرار تلك المواقف يجعلك أكثر اهتمامًا بالأخبار الاقتصاديَّة، وتقرؤها وفي ذهنك أحاديث ووعود ومشروعات تنتظر التنفيذ.. هكذا قرأت خبر نُمو الاقتصاد العُماني بنسبة (٥.١) بالمائة خلال الرُّبع الثاني من هذا العام، وربطتُه بما أتابعه، وبما ننتظره جميعًا من تحسُّن حركة الأعمال.

التفاصيل أظهرت نُمو الأنشطة النفطيَّة بنسبة (١٤.٧) بالمائة، مقابل (٠.٧) بالمائة للأنشطة غير النفطيَّة، وهو فارق يجعلني أتأنى في تقدير ما تعنيه النتيجة العامَّة للسُّوق. للنفط دَوْره المعروف في الاقتصاد، وقد قامت على عوائده مشروعات وخدمات استفدنا منها على مدى سنوات، واستمرار مساهمته أمرٌ له قِيمته. وأهتم كذلك بأداء الأنشطة الأخرى التي يعمل فيها كثيرون، ويضع أصحاب المؤسَّسات أموالهم وجهدهم فيها. فمَن يتابع مشروعًا منذ بدايته يعرف حجم ما يحتاجه حتى يستقرَّ: تجهيزات ورواتب وتسويق والتزامات، ثم انتظار إيرادات تكفي كل ذلك وتسمح بالتوسُّع. لهذا أتطلع إلى نُمو أسرع في هذه الأنشطة، يساعد أصحابها على اتِّخاذ قرارات كانوا يؤجلونها، ويمنح مَن يرغب في بدء عمل جديد قدرًا أكبر من الثقة. فالفرص التي نسعى إليها في يومنا ترتبط بما لدى العملاء من قدرة على الإنفاق، وما يتوقعونه لأعمالهم خلال الفترة المقبلة.

وكان تراجع الصناعة بنسبة (١.٥) بالمائة أقرب تفاصيل الخبر إلى اهتماماتي، بحكم تعاملي مع مصانع ومعرفتي ببعض ما يدخل في حساباتها عند دراسة مشروع جديد. وعلى الرغم من أنَّني سمعتُ مؤخرًا من عدد من أصحاب المصانع عن اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد، وارتفاع تكاليف النقل، وتأخر وصول بعض المستلزمات، فإنَّها تظلُّ أحاديث تحتاج إلى التحقُّق، ولا أستطيع الاعتماد عليها لتفسير تراجع النشاط الصناعي. كذلك لا تكفي نتائج ثلاثة أشهر للحكم على مستقبل الصناعة، لكنَّها تستحق المتابعة؛ لأنَّ مصالح قِطاعات كثيرة تتشابك معها. فحين ينمو النشاط السياحي، تستفيد شركات السياحة والفنادق، ويزداد الطلب على منتجات مصانع الأغذية والمشروبات ومستلزمات الفنادق، وتتحرك أعمال النقل والصيانة والتوريد. وفي قِطاع الأسماك، يفتح نُمو النشاط أعمالًا في الفرز والتجهيز والتغليف، وتصنيع العبوات، والتبريد والتخزين والنقل، وصولًا إلى البيع والتصدير. وقد توفِّر طلبيَّة أسماك عملًا لمصنع تغليف وشركة نقل ومخزن تبريد، لذلك أقرأ نُمو الزراعة وصيد الأسماك بنسبة (٢.٣) بالمائة، والخدمات بنسبة (١.٥) بالمائة، وأفكر في مدى انتقال أثَره إلى هذه الأعمال المرتبطة به، وفي نصيب المؤسَّسات الصغيرة التي يعتمد استمرارها على انتظام الطلب.

يسعدني أن ينموَ الاقتصاد في عُمان، حيث أعيش وأعمل، وأتطلع إلى استمرار النُّمو واتِّساع أثَره. يهمني أن يجدَ الشَّاب فرصة عمل، وأن يستطيعَ صاحب المؤسَّسة الوفاء بالتزاماته وتطوير نشاطه، وأن تتحسنَ قدرة الأُسر على تدبير احتياجاتها، وأعرف أن وصول هذه النتائج إلى الناس يختلف من قِطاع إلى آخر، وأن الخبر وحده لا يكشف كل ما يجري داخل الشركات والبيوت. لذلك أقرأ الأرقام وأتابع ما أستطيع رؤيته في عملي، مع إدراكي حدود هذه المعرفة. أمَّا العميل الذي أجَّل مشروعه، فسأعود إليه في الموعد المناسب، وأحاول معرفة ما تغيَّر في حساباته واحتياجاته، ورُبَّما يخبرني هذه المرَّة بأنَّه مستعد للبدء، فنراجع العرض ونتفق على الخطوات التالية. عندها يكون تحسُّن الأعمال قد وصل إلى فرصة أتابعها، وسيكون وراء تنفيذها آخرون لديهم عمل ينتظرون إنجازه، ورواتب والتزامات مثلنا جميعًا.

إبراهيم بدوي

[email protected]