الأحد 04 أكتوبر 2026 م - 22 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

ألسُن وحكايات : محمد عيد.. سيمفونية الإرادة والإبداع

ألسُن وحكايات : محمد عيد.. سيمفونية الإرادة والإبداع
الأحد - 04 أكتوبر 2026 02:55 م

ناصر المنجي

150

في العادة نتبادل الأدوار أنا والشمس فيمن يوقظ الآخر، يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر الفائت ظللت نائماً إلى ما بعد العاشرة على غير العادة، أول أستيقاظي فتحت الهاتف على الرسائل (إنا لله وإنا إليه راجعون .. انتقل إلى رحمة الله ابن صور العفية الكاتب والأديب العماني محمد عيد العريمي ...) ، لم يغب عن ذهني في الأيام التي سبقت الوفاة، كنت قد اتصلت به هاتفيا، جاءني الرد برسالة من أحد أفراد أسرته «شكراً على الاتصال.. محمد خارج الدولة للعلاج «، ذهبت للممشى الصباحي بين مزارع النخيل وكأن محمد يمشي معي والذكريات تقودني لأول لقاء بيننا عندما أعطتني الكاتبة بشرى خلفان كتاب مذاق الصبر مُكلفةً إياي بالتواصل معة وتنظيم وإدارة أمسية احتفائية مخصصة لمناقشة الكتاب ، ألتهمني مذاق الصبر تلك الليلة باللغة النابعة من القلب الأجمل من الجمال، في اليوم التالي اتصلت به واتفقنا على اللقاء في منزله في مرتفعات القرم ، كان أول لقاء لكنه بدا لي وكأننا كنا نرعى الإبل صغاراً في وادي المر بجعلان بني علي ، نسقي النخيل من ماء فلج الخطم في قرية الروضة ، نذهب إلى خور البطح لنشاهد «الخشب» وهي تمخر عباب البحار، لم أر فيه الشلل الرباعي الذي نتج عن حادث سيرٍ مأساوي في مقتبل شبابه وهو يرسم أحلاماً لا تعرف حدوداً إلا الحب.

لم يشهد النادي الثقافي حضوراً لفعالية مخصصة لكاتب عماني مثل تلك الليلة التي كان قمرها الكاتب محمد عيد العريمي إلى هذا اليوم لا أتذكر من المشاركين بأوراق عن الكتاب إلا الصديق ناصر صالح الغيلاني، كان الحضور من مختلف ولايات سلطنة عمان حيث غصت القاعة بالحاضرين مما جعل البعض يجلس خارجها، امتدت الأمسية لوقتٍٍ طويل لكثرة الأسئلة والمداخلات، بعد انتهاء الأمسية قالت لي بشرى خلفان (ما شاء الله عليك قدرت تنظم هذه الأمسية)، أشرت بأصبعي إلى محمد عيد قائلاً لست أنا بل هذا الرجل ومذاق الصر من قام بكل شيء ، كانت تلك الليلة بذرة لشجرة أخوة وصداقة بيننا نتفيأ تحت ظلالها ، أتذكر أنني كتبت مقالاً في هذه الصحيفة عنوانه (طاح السيل .. طاح الطش.. طاح سعود من فوق القش)، كتبت إهداءً في المقال «إلى محمد عيد الذي يحب المطر كثيراً، هاتفني وقت نشره قائلاً ما أدراك أنني أحب المطر، قلت له «إن لم تحب المطر فهو يحبك يا محمد، وإن كنت تحبه فهو يحبك أكثر».

محمد عيد حالة استثنائية في عالم الأدب وهذا ما أوضحته في مقالٍ سابق، لم يُقدّم إنسان في تاريخ الكتابة ما قدمه محمد رغم معاناته من الشلل الرباعي، فعلى خُطى أجداده النواخذه قاد السفن في بحار الثقافة، ابحر بالسنبوق ليأتي برواية « بين الصحراء والماء أبحر بالغنجة ليستمع إلى «حكايات يونس حيم»، على سفينة البوم كتب رواية «شهادة من زمن الحرب»، وعلى صوت الأمواج كتب رواية «حز القيد»، يكتب محمد عيد العريمي بلا إدعاءٍ وتكلُّف يجيدها الكثيرون من ُدخلاء الكتابة، عزف سيمفونية جميلة أوتارها الصبر والإرادة وموسيقاها الإبداع.

(الحياة تستحق أن تعاش)، كنت أردد هذه الجملة عند لقائي بالأصدقاء، كان مقصدي المُبطّن هو إن الحياة لا تستحق أن تعاش نظراً لما أقرأه في الصحف وأراه في الشاشات من حروب واستعباد لشعوبٍ عدة، بعد لقائي بمحمد عيد قلت إن الحياة بالفعل تستحق أن تعاش، بالصبر والإرادة تستحق لأن تعاش، بدماء الشهداء وهي ترسم درب الحرية تستحق أن تعاش، بأحلام اليتامى بغدٍ مشرق تستحق أن تعاش.

ناصر المنجي

 كاتب عماني