تُشكِّل قِيَم المؤسَّسات نقطة تحوُّل في مَسيرتها المهنيَّة، وموجِّهات تؤسِّس لمسارات عمل يشترك في تشكيل هُوِيَّتها مُجتمع المؤسَّسة والشركاء المستفيدون من خدماتها في المُجتمع، في ظلِّ تناغم في الأهداف والغايات والأدوات واستراتيجيَّات التطبيق. لذلك، لم يَعُد وجودها ترفًا مؤسَّسيًّا أو ديباجة تُوضع في الإطار الفلسفي للخطط الاستراتيجيَّة والتشغيليَّة للمؤسَّسات، بل أصبحت استراتيجيَّات عمل تتمحور حولها كفاءة الجهود المؤسَّسيَّة، وتقاس في ظلِّها مستويات القوَّة التنافسيَّة للمؤسَّسات في مدى اقترابها من تحقيق الأهداف وضمان عدم انحرافها عن بلوغ الغايات والأولويَّات.
وبالتَّالي، فهي مسار تنظيمي أخلاقي يتَّسم بالتوازن والمهنيَّة والحياديَّة في ممارسة العمليَّات الداخليَّة للأداء، التخطيطيَّة والتَّنفيذيَّة والتنسيقيَّة والتسويقيَّة وغيرها، يحافظ على مستوى التوازنات في بيئة العمل بين الأهداف والاستراتيجيَّات والطموحات وبرامج التَّنفيذ وأدوات العمل بما يقي المؤسَّسات زلَّات التخبط، وعشوائيَّة العمل، والتجاوزات الحاصلة للخطوط الحمراء.
وباتتِ القِيَم ترصد مساحات الاعتراف والتقدير والمشاركة التي يمارسها المُجتمع الخارجي، ويتفاعل من خلالها مع قوانين المؤسَّسة وأنظمتها وأولويَّاتها وفلسفة عملها وطريقة أدائها، لِيفهمَ في ظلِّها كيف تتمُّ مسارات الإنجاز، وكيف تتطور مناخات الأداء، وكيف تحدُث عمليَّات التفاعل، والثَّقافة الإداريَّة والتنظيميَّة التي تَضْمن كفاءة التواصل واستمرار أبجديَّات الحوار، ونوعيَّة المبادئ والمرتكزات التي تعتمدها المؤسَّسة موجِّهاتٍ لها في تنفيذ اختصاصاتها.
من هنا فإنَّ الوصول بقِيَم المؤسَّسات إلى التجسيد العملي لها في واقع الميدان، بحيث تكون سلوكًا إنتاجيًّا ومعيارًا أخلاقيًّا للحكم على مصداقيَّة الأداء وجودته، وقِيمة مضافةً في حياة المؤسَّسات، يتطلب التأكيد على أمْرَيْنِ.
أولهما: أهميَّة حضور القِيَم في جميع مسارات العمل المؤسَّسي حضورًا فعليًّا مؤثِّرًا وممارسةً واقعيَّة، بحيث تترجمها أهداف المؤسَّسة وغاياتها وفلسفة عملها، والخِطاب المؤسَّسي، والعلاقات بين إداراتها، والصلاحيَّات الممنوحة لمختلف مستوياتها التنظيميَّة، والعلاقات بين الموظفين، وقواعد العمل، ومساحات التحفيز والثواب أو المساءلة والعقاب، وآليَّات التواصل، وعمليَّات الاتِّصال، واتِّخاذ القرارات، وطبيعة الاجتماعات واللقاءات الداخليَّة، والشراكات والتفاهمات الخارجيَّة مع المؤسَّسات الأخرى داخل سلطنة عُمان أو مع المؤسَّسات الدوليَّة، بما تنعكس نواتجه على طريقة تقديم الخدمة، ومساحة الثِّقة التي تضفيها المؤسَّسة على علاقتها بالمُجتمع.
أمَّا ثانيهما، فيرتبط بوجود قواعد ومنهجيَّات لإدارة القِيَم في المؤسَّسات وفق فلسفة عمل واضحة، وتأطير نوعي للقِيَم النافذة، واستراتيجيَّات تنفيذ مُحدَّدة زمانًا ومجالًا، وبناء محكَّات واضحة وأدوات قياس للمؤشِّرات في مستوى تقدُّم القِيَم ومدى القَبول الذي تحظى به؛ وبالتَّالي بناء آليَّات للتنفيذ والمتابعة والرصد والحشد المؤسَّسي، مع إيجاد معايير للممارسة، وتقييم دَوْري، وتشخيص دقيق، ورصد مستمر لأيِّ انحرافات قِيَميَّة في عمل المؤسَّسات.
وبالتَّالي ما يعنيه ذلك من أنَّ عمليَّة تأطير القِيَم في المؤسَّسات ينبغي أن تتَّخذَ شكلًا تنظيميًّا وعبر حوكمة القِيَم، وتوفير السياسات والتشريعات والأدوات الضَّامنة للنُّمو والتطبيق والأثر، بحيث يظهر ذلك في جميع قواعد العمل، يلتزم به متَّخذ القرار والمسؤول قَبل الموظف، وأن يكونَ دَوْر هذا الجهاز التنظيمي والرقابي المحايد تشخيص الحالة القِيَميَّة والسلوك العام، ورصد المعطيات والمؤشِّرات الإيجابيَّة الدَّاعمة لها وفق إحصاءات دقيقة ترصد مساحة الاقتراب من القِيَم أو التباعد عنها، وأسباب أيِّ انحراف عن المسار السَّليم، وآثاره السلبيَّة في الأداء المؤسَّسي ومستوى القوَّة في عمل المؤسَّسة.
من هنا تأتي أهميَّة بناء مسار وطني في التعامل مع منظومة القِيَم المؤسَّسيَّة، تبرز فيه القِيَم باعتبارها سلوكًا منهجيًّا وممارسةً رصينة، بحيث تتنافس المؤسَّسات في تنفيذها وفق نماذج مؤسَّسيَّة تستنطق القِيَم في ممارسات القائمين على إدارة المؤسَّسات والعاملين بها، ما يعني أن توفر الممارسة المؤسَّسيَّة والنمط التنظيمي والإداري السائد بيئاتٍ حاضنة لنُمو القِيَم واتِّساعها في القرارات والعلاقات والخِطاب والالتزام الذي يوجِّه سَير المؤسَّسة ونمط عملها، ويعكس السلوك التنظيمي والخصوصيَّة التي تتفرد بها عن غيرها.
وفي هذا الشَّأن، لم تَعُد حوكمة قِيَم المؤسَّسات خيارًا تنظيميًّا أو بُعدًا أخلاقيًّا فحسب، بل أصبحت استثمارًا مؤسَّسيًّا ذا عائد اقتصادي وقِيمة تنافسيَّة متنامية، إذ إنَّ تعظيم أثَر القِيَم في بيئات العمل يُمثِّل أحَد أهمِّ الأُصول غير الملموسة التي تُعزِّز قدرة المؤسَّسة على الاستدامة والتكيُّف مع التحوُّلات المتسارعة. فكلَّما نجحت المؤسَّسة في ترسيخ منظومة قِيَم تحكم القرارات والعلاقات والممارسات، انتقلت إلى مرحلة أعلى من القوَّة المؤسَّسيَّة، وارتفعت جاهزيَّتها للمنافسة، وتوافرت لديها بيئة عمل ناضجة قادرة على ابتكار الحلول، وإنتاج الأدوات الدَّاعمة للتغيير، وصناعة التحوُّل المؤسَّسي. كما تؤسِّس حوكمة القِيَم لمساحة من الأمان الوظيفي والتنظيمي تُعزِّز الثِّقة والانتماء والمسؤوليَّة، وترفع كفاءة الأداء والإنتاجيَّة، وتَبْني روحًا تواصليَّة قائمة على الشراكة والاحترام والتَّكامل، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على السمعة الداخليَّة والخارجيَّة للمؤسَّسة، ويحدُّ من مظاهر ضعف الانضباط وما يترتب عليها من ممارسات غير مسؤولة على مستوى الهياكل التنظيميَّة أو الوحدات الإداريَّة أو الأفراد. ثم فإنَّ حوكمة القِيَم تُمثِّل ضمانة حقيقيَّة لإنتاجيَّة المؤسَّسة وقدرتها على التكيُّف مع متطلبات عالم مهني سريع التغيُّر. كما تُشكِّل ركيزة أساسيَّة لإنجاح مسارات التحوُّل الرَّقمي والمؤسَّسي، بما يُعزِّز ثقافة المواطنة المؤسَّسيَّة، ويرتقي بكفاءة الأداء، ويَضْمن استدامة الأثر المؤسَّسي في الحاضر والمستقبل.
وعليه، فإنَّ البحث في استدامة القِيَم في الفضاءات المؤسَّسيَّة يأخذ في الاعتبار جملة من الموجِّهات من بينها: مستوى التقدير المهني الذي تمنحه منظومة التشريعات ولوائح العمل بالجهاز الإداري للدَّولة للقِيَم، سواء في القوانين النَّافذة مثل قانون العمل وقانون الوظيفة العامَّة، أو في ثقافة العمل الداخليَّة وعمليَّات التنظيم وإعادة الهيكلة لها في مستوى تجديدها وبعث روح القِيَم في تشريعات العمل والممارسات، وحياة المؤسَّسة وبنيتها التنظيميَّة والفكريَّة والأدائيَّة، وفق مسار يتناغم مع طبيعة التحوُّل في عمل المؤسَّسات.
ويتطلب ذلك إحداث تحوُّل في الأداء عبر جملة من الممكنات التنظيميَّة، تتمثل في الحوافز والتعزيز والمحاسبيَّة، وحضور أقوى لمنظومة تقييم الأداء المؤسَّسي والفردي، وتمكين التشريعات واللوائح والأنظمة ذات العلاقة بعمل الموارد البشريَّة، وتعزيز البنية الإعلاميَّة والتوعويَّة والتواصليَّة، وصناعة القدوات، وإبراز النماذج الإيجابيَّة والممارسات الرياديَّة.
وتؤسِّس هذه المدخلات لضمانات تُعزِّز حضور قِيَم الحياة الوظيفيَّة والمُجتمع الوظيفي، مثل الصِّدق، والأمانة، والموضوعيَّة، والإخلاص، والإنتاجيَّة، والالتزام، إلى جانب قِيَم الأداء كالحوكمة والرقابة والنزاهة والشفافيَّة، والجودة، والشراكة، والاستدامة، والابتكاريَّة، والتنافسيَّة، والحوار، باعتبارها مرتكزات لإعادة إنتاج القِيَم وتفعيلها في حياة المؤسَّسات. فإنَّ من شأن حضور هذه الموجِّهات أن يرفعَ من استحقاقات القِيَم المؤسَّسيَّة ودَوْرها في كسب ثقة الجمهور واستدامة حضوره في مُجتمع المؤسَّسة عبر ما يقدِّمه من أفكار ومقترحات عمليَّة جادَّة تنهض بالمؤسَّسة وترتقي بأدائها، نابعًا ممَّا تمتلكه القِيَم من خاصيَّة التأثير ـ إن أُحسن استخدامها وتوافرت لها أدوات التطبيق الصحيحة ـ، لكونها قاسمًا مشتركًا يجمع أطياف العمل المؤسَّسي، فيسعى الجميع إلى بلوغها والتنافس في تحقيقها، وفي الوقت نفسه تهيئ القِيَم للموظف بيئة يشعر فيها بالأمان الوظيفي والنفسي، وتقدير مشاعره، واحتواء ملكاته، والاعتراف بإنجازه ومبادراته، بما ينعكس إيجابًا على جودة الأداء المؤسَّسي.
أخيرًا، تبقى هذه المعطيات المرتبطة بالقِيمة المضافة التي تُحدثها القِيَم في اقتصاد المؤسَّسة وإنتاجيَّتها وكفاءتها الداخليَّة والخارجيَّة منطلقًا لإعادة تقييم المسار، وضبط التوجُّه، والاستفادة من التحوُّل الرَّقمي في بناء مؤسَّسات منتجة تصنع من القِيَم فرص نجاحها. وهنا تأتي أهميَّة بناء المؤشِّرات والإحصائيَّات والقِيمة المضافة لقواعد البيانات في رسم صورة مستقبل القِيَم في حياة المؤسَّسات، وأهميَّة توجيه الإحصاء في رصد حجم الظواهر الإداريَّة والممارسات غير المنضبطة المضادَّة للقِيَم والمنافية للسُّلوك المؤسَّسي الرشيد، فإنَّ تزايد الحالات المرتبطة بالتظلُّمات الإداريَّة، والتعيين، والتعويض، وإنهاء الخدمة، والتكليف الوظيفي، والتسكين، والندب، والنقل، والقرارات الإداريَّة السلبيَّة، والترقيات الأكاديميَّة، ومعادلة المؤهلات، والإجازات، والشكاوى، والتقاعد المبكر، وغيرها من القضايا، أو كذلك ما يتعلق بالجوانب الأخرى المرتبطة بتقرير جهاز الرقابة الماليَّة والإداريَّة للدولة ذات العلاقة بالشكاوى والملاحظات حول أداء المؤسَّسات مؤشِّرات مهمَّة تؤسِّس لمرحلة متقدِّمة في تعظيم دَوْر الضبطيَّة القِيَميَّة وإعادة إنتاجها كمدخل للإصلاح المؤسَّسي، وبالتَّالي إيجاد آليَّات وطنيَّة لمراقبة حضور القِيَم وإنتاجيَّتها، وقياس أثَرها في حياة العاملين ورضاهم الوظيفي، وتعزيز مستويات الدَّعم والمساندة لها وفق أُطر مُحدَّدة، بما يَضْمن انتقال قِيَم المؤسَّسات من الشكليَّات إلى استراتيجيَّة عمل تُحقق كفاءة التَّنفيذ وترتقي بالنَّتائج.
د.رجب بن علي العويسي