يبدو أنَّ البعض لا يزال متمسكًا بالنظريَّات التي تحلِّل التاريخ والحضارة وحركة المُجتمعات الإنسانيَّة، والتي تُؤكِّد ـ من وجهة نظرها الخاصَّة ـ وبما لا يدع مجالًا للشَّك بأنَّ القِيَم والمعتقدات القائمة على الدِّين والعاطفة ليست أكثر من أكذوبة حضاريَّة وإنسانيَّة كبرى، فالثَّورة الصناعيَّة قد دمَّرت الأيديولوجيا والأخلاق والدِّين، وبذلك للمرَّة الأولى ـ كما يُشير إلى ذلك كارل ماركس وفريدريك أنجلس ـ صنعت تاريخًا عالميًّا، وذلك بقدر ما جعلت جميع الأُمم المتحضرة، وكل عضو فيها رهنًا بالسوق العالميَّة من أجلِ تلبية حاجاتها.
والحقيقة أنَّ هذه النظريَّات وإن كانت على خطأٍ من جهة، فإنَّها ومن جهة أخرى قد لامست الصواب، وصوابها ذلك ينبع من حقيقة أنَّ الكثير من بواعث الثورة الصناعيَّة قد دمَّرت العديد من القِيَم والمعتقدات والأفكار التي كانت قائمة قَبل ذلك في حياة الفرد والمُجتمع، وليس ذلك الدَّمار القِيَمي الذي حلَّ بالمُجتمعات البشريَّة من جرَّاء دخان المصانع، قد أصابها في جانبها الاجتماعي والإنساني فقط، بل الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها تُؤكِّد أنَّ ذلك الدَّمار قد حلَّ بجميع نواحي الحياة الإنسانيَّة.
وكما اعترفنا بصحَّة هذه النظريَّة من جهة، فإنَّه ـ ومن جهة أخرى ـ ليست سوى نتيجة استثنائيَّة لواقع تاريخي مُعيَّن، ولكن بالطبع لا يمكن أن تُعَدَّ قاعدة تاريخيَّة حتميَّة تُسير وفقها الحضارة الإنسانيَّة، إنَّما ذلك يمكن أن يتحققَ في بعض المُجتمعات التي تأسَّست وفق أرضيَّة ماديَّة بحتة، ونتيجة لظروف تاريخيَّة مُعيَّنة، وحتى هذا الأمر لا يمكن أن يثبتَ كقاعدة حضاريَّة تاريخيَّة في تلك المُجتمعات، والدليل هو أنَّ بعضها يملك من القِيَم والمعتقدات التي تأسَّست على قاعدة العاطفة والِّدين في ظلِّ الثورة الصناعيَّة.
وفي التاريخ البشري ـ بحسب لوبون ـ يتَّضح أنَّ الأفكار التي استندت إلى الدِّين والعاطفة كانت أكثر تقبُّلًا وملاءمة للمُجتمع، من تلك التي استندت إلى العقل. وكما قال أحد أعضاء البرلمان البريطاني: من أن أعظم ما امتاز به الدستور الإنجليزي هو عدم قيامه على العقل والبرهان، وهذا هو سِر هذا الدستور، وهو بعكس الدستور الفرنسي الذي استند إلى العقل، وكان هذا هو سبب ضعفه.
صحيح إنَّنا ـ وفي كثير من المواقف ـ لا نحكم القِيَم والمعتقدات في اختياراتنا النهائيَّة، ولكن ذلك ليس دليلًا على اللاقِيَميَّة للمعتقدات والقِيَم الإنسانيَّة في بناء المُجتمعات واستمرارها؛ وبالتَّالي لا حاجة أو دَوْر لتحكيم الدِّين والعاطفة في تلك المواقف، بل على العكس من ذلك، فإذا كان المنطق العقلي هو الركن الأساس للمعارف، فإنَّ المنطق العاطفي هو الركن الأساس للمعتقدات، وهما ـ أي العقل والعاطفة ـ نصفان لا يمكن أن تنشأَ المُجتمعات الإنسانيَّة وتستمرَّ دونهما معًا.
وانطلاقًا من هذه النتيجة، وبما وضَّحناه سابقًا من ضرورة إيجاد التوازن بين العقل والعاطفة في بناء المُجتمعات، وأنَّ المُجتمعات التي تفتقد إلى القِيَم القائمة على الدِّين والعاطفة هي مُجتمعات لا يمكن لها بناء أرضيَّة صحيحة لصيرورتها، فإنَّه من المؤكَّد أنَّ تلك القِيَم هي مَن تحرِّك الأفراد والشعوب عبر التاريخ، فالقِيَم والمعتقدات هي مَن تؤثِّر في التاريخ وتعطي في نهاية المطاف الدَّفع للحضارة، ولا يمكن أن تكونَ هناك أخلاق دون دين وعاطفة، إذا لا تقوم وتستمرُّ حضارة ما بدون أخلاق.
ولو رجعنا من جديد إلى الحضارة الغربيَّة الماديَّة، فسيتأكد لنا هذا الأمر، وستتضح لنا هذه النتيجة، فهي حضارة قائمة على الماديَّة اللادينيَّة، وهذه الفكرة عن الدِّين ودَوْره المشلول في صياغة الإنسان الغربي هو ما يحدِّثنا عنه بيرد الأميركي في كِتابه «الدِّين في أميركا» حيث يقول: إنَّ الملاحظة عن كثب تظهر أنَّ الدِّين في الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة مذهب سائد كمذهب إلهام أكثر منه فكرة مقبولة بصفة عامَّة، وفي دراسة عن الدِّين في المُجتمع الأميركي كذلك، يقول مكريدي وليام في كِتابه القِيَم الأساسيَّة في المُجتمع الأميركي: إنَّ الملاحظ هو الانخفاض في الاعتقاد الدِّيني وممارسته، وذلك في مواجهة المُجتمع العلمي اللاديني الحديث.
وقد تنبهت الكثير من المُجتمعات في الآونة الأخيرة إلى دَوْر الدِّين والقِيَم والمعتقدات في الدفع بالحضارة، والمحافظة على الاستقرار والولاء والانتماء والمواطنة، ومن ضِمنها المُجتمع الأميركي والمُجتمعات الأوروبيَّة الصناعيَّة، والقِيَم بِدَوْرها كما يُؤكِّد ذلك الأستاذ المفكر محمد عابد الجابري في كِتابه قضايا في الفكر المعاصر، تؤثِّر في الأخلاق وتعطي الدفعة الحيويَّة للحضارة؛ لأنَّه لا تقام حضارة بدون أخلاق.
خلاصة الأمر وكقاعدة تاريخيَّة في بناء الحضارات واستمرارها: إنَّه لا يمكن بحال من الأحوال من جهة لأيِّ حضارة بشريَّة الاستقرار والاستمرار دون معتقدات وقِيَم اجتماعيَّة وأخلاقيَّة تحرِّكها وتقودها إلى بَر الأمان والسَّلامة، فالمادَّة والعقل وحدهما لا يمكن أن يصنعا توازنًا تاريخيًّا للحضارات والأُمم عبر التاريخ، ولم يحصل في التاريخ البشري أن غيَّرت أُمَّة أو شَعب أو مُجتمع ما عقائده وقِيَمه وأخلاقه ومعتقداته المتأصلة في الدِّين والعاطفة إلَّا عاشت في الفوضى وعدم الاستقرار والاضطرابات الاجتماعيَّة والنفسيَّة والفطريَّة.
إذًا نحن اليوم كأفراد ـ ننتسب إلى أعظم الأُمم ـ بحاجة إلى العودة إلى القِيَم والمعتقدات والأخلاق وذلك بهدف التغلب على حالة الإخفاق الحضاري والتراجع الأُممي والانحطاط الإنساني الذي نعايشه اليوم. ولا أعتقد أن هناك موردًا خصبًا يمكن أن نستقي وننهل منه تلك القِيَم والمعتقدات والأخلاق من الدِّين الإسلامي، فوحده الإسلام مَن يستطيع أن ينقذَنا من هذا التِّيه الحضاري والإنساني والاجتماعي الذي نعيشه ونكابده اليوم. يقول الحق عزَّ وجلَّ: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) صدق الله العظيم.
حينها فقط؛ أي عندما نطبِّق تعاليم الدِّين الإسلامي في مُجتمعاتنا وعلى حياتنا، وننهل منه قِيَمنا ومعتقداتنا وأخلاقنا، سيتأكد لنا حقيقة صحَّة تلك النظريَّات التي تدَّعي أنَّ القِيَم والمعتقدات القائمة على الدِّين والعاطفة ليست أكثر من أكذوبة حضاريَّة وإنسانيَّة كبرى، والتي ـ للأسف الشديد ـ نجد الكثير من أبناء المُجتمع الإسلامي يروِّج لها، بل وتؤلّف المؤلّفات تأكيدًا على صحَّتها وسلامتها المنطقيَّة والحضاريَّة والاجتماعيَّة.
فإلى أولئك نقول: (إنَّ جواب أيِّ استفتاء عن مُشْكلة جزئيَّة من مُشْكلات المُجتمعات التي لا تدين بالإسلام، ولا تعترف بشريعته أن يقالَ: حكموا الإسلام في الحياة كلِّها، ثم اطلبوا بعد ذلك رأيه في مُشْكلات الحياة التي ينشئها هو، لا تلك التي أنشأها نظام آخر مناقض للإسلام).
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @