كلمة التوازن كبيرة المعنى، عظيمة التأثير، والإخلال بها نتائجه غير محمودة. الحياة تشتمل على العديد من المفارقات التي تسيطر على شؤوننا بشكل يومي؛ فمثلًا، الإنسان المعاصر اخترع التكنولوجيا لتوفير الوقت، ثم استخدم الوقت الذي وفَّرته التكنولوجيا في أشياء قد تكون بعيدة عن الأسباب التي من أجلِها تمَّ توفيره، مثل الاستمتاع بالراحة أو الاستجمام، لِتستمرَّ الحياة بسرعتها وتطوُّر أحداثها في نفس الطريق الذي لا يشمل التوازن الذي يكون «بين وبين»، مثل العمل والحياة الشخصيَّة، وهي قضيَّتنا في هذا المقال؛ لأهميَّة دقِّ الناقوس حول هذه المعادلة قبل فوات الوقت. في معظم الحالات، تستمر هذه الحالة عند العديد من الأشخاص حتى بلوغ سن المعاش، ورُبَّما تكون الأسباب هي التعود على العمل وإدمانه؛ فلا يعرف الإنسان في حياته سوى الذهاب إلى العمل، أو رُبَّما أحيانًا أخرى تحت ضغوط متطلبات الحياة، ليظلَّ حلم الراحة والتمتع بالحياة الشخصيَّة مشروعًا دائم التأجيل. الموظف مثلًا تعود أن يستيقظَ صباحًا على منبِّه الهاتف، وقبل أن يفتحَ عينيه تمامًا يفتح البريد الإلكتروني، ثم يذهب إلى العمل وهو يفكر في إجازته، ويعود من الإجازة وهو يفكر في العمل، وفي الليل يحاول أن يستعيدَ حياته الشخصيَّة، فإذا برسالة تصل إليه أو رنة هاتف من مسؤوله في العمل تحمل في معناها «تذكير بسيط»، و«التذكير البسيط» هذا قد يكون كفيلًا بإفساد النوم والعشاء والمزاج، ورُبَّما العلاقة الزوجيَّة أيضًا! والجانب الأكثر سخريَّة أنَّنا نعيش عصرًا أصبح فيه الاحتراق النفسي إنجازًا مهنيًّا؛ إذا قلت إنَّك تعمل (12) ساعة يوميًّا، قالوا: «ما شاء الله... شخص مجتهد»، أمَّا إذا قلت: «أحتاج إلى ساعتين لنفسي»، فتتولد لديك أشياء من العمل تضيع تفكيرك في هذا الأمر. وفي حال التعرض لبعض الأزمات العمليَّة أو الماديَّة، فيطول الوقت معك بضغط نفسي، وتخرج في النهاية مُصابًا بأحَد أمراض العصر (السكر أو ضغط الدم)، وهذه أقل الأضرار. ثم يأتي دَوْر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أعطتنا فرصة عظيمة للابتعاد عن الواقع، إلَّا أنَّ مجرَّد رسالة واردة على الهاتف تُعيدك إلى الواقع وأخباره بحُلوِها ومُرِّها، وأنَّه عليك أن تزورَ مريضًا، أو تذهب لعزاء، أو لمناسبة عقد قران، لِيظلَّ يومك كالمعتاد ما بين العمل أو قضاء الواجبات أو الرد على الاستفسارات. المُهمُّ أنَّك تكون ملكًا للآخرين، وتدور في هذه الدائرة التي تشمل كل شيء إلَّا راحتك التي تنشدها، فتستمرُّ المعاناة مع الأزمات النفسيَّة التي كانت قديمًا نادرة، وكانت تحتاج إلى حدث كبير أو مُهمٍّ حتى تظهر، أمَّا اليوم فمجرَّد كلمة تجعلك تشتاط غضبًا؛ لأنَّها غير مبرّرة أو معبِّرة عن الحقيقة، فتصيبك بالصدمة التي تؤدي إلى ارتفاع صوتك ومعه ضغطك، لِتستمرَّ المعاناة مع الأمراض لأسباب غير منطقيَّة تجعلك تدور في فلكها طيلة الوقت.
إنَّ مُشْكلتنا الكبرى أنَّ العمر يُسرق منَّا في العمل وواجبات أخرى دون التمتُّع أو تنظيم حياتنا اليوميَّة التي أصبحت موزَّعة بين العمل وأمراض العلاقات الإنسانيَّة، وجزء كبير من هذه الأمراض لأسباب ضغوط يوميَّة ليس لنا فيها أيُّ يد، بل هي أتتْ من حيث لا نعرف أو نشتهي، لِنفتقدَ التوازن في شؤوننا. حتى لو بحثنا عمَّن يساعدنا لإدارة شؤون حياتنا، فلن نستجيبَ لنصائحه بالابتعاد عن ضغوط العمل وضغوط الحياة بتقلباتها الماديَّة والإنسانيَّة والمُجتمعيَّة، ونستمرّ في فشلنا المزمن منذ أن تفتحت عقولنا، وهو تحقيق أهداف التوازن اليومي. فيستمرّ الضغط النفسي، ويستمرّ السؤال: هل العمل المستمرُّ لآخر العمل هو سبب المُشْكلة، أم هو حلٌّ للهروب من المشاكل التي لا علاقة للعمل بها، بل هي نتيجة ظروف إمَّا اقتصاديَّة أو أشياء أخرى؟ فتحوّلنا إلى موظفين نعمل بدوام كامل في كل شيء: موظف في العمل، وموظف في البيت، وموظف في مواقع التواصل، وموظف لدى الهاتف، عدا وظيفة واحدة فشلنا فيها، وهي أن نكون موظفين لأنفسنا! ولذلك رُبَّما نحتاج إلى إعادة تعريف الهدف من العمل، والهدف من الحياة بعد أن اقتربنا من الوصول إلى نهاية العمر، ولم نعرف: هل حققنا رسالتنا مع الآخرين، وفشلنا مع أنفسنا، أم الاثنين معًا؟ إنَّ الرسالة الأهمَّ لمن يهمُّه الأمر هي النجاح في البحث عن وسيلة لإيجاد التوازن بين العمل والحياة، حتى لا تُسرق الأعمار ويُسرق معها متعة الحياة، وفقط يتبقى لهم توابع الضغوط النفسيَّة وآثارها المرضيَّة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»