الأربعاء 07 أكتوبر 2026 م - 25 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

فـي حوار عن الذاكرة والهوية والعدسة .. المخرج محمد الكندي يكشف فلسفة «رسم الحقيقة» خلف الكاميرا

فـي حوار عن الذاكرة والهوية والعدسة .. المخرج محمد الكندي يكشف فلسفة «رسم الحقيقة» خلف الكاميرا
السبت - 03 أكتوبر 2026 02:30 م
40

حاوره ـ وحيد تاجا:

بين توثيق أثر خمسة عقود من تحولات الفن السابع، والغوص في تفاصيل العمارة والبحار، يتحرك المخرج السينمائي محمد بن سليمان الكندي، ليعيد قراءة الصورة لا بوصفها مجرد انعكاسٍ للواقع، بل بوصفها مساحة لتأويله واكتشاف مكنوناته الإنسانية. في هذا الحوار، يفتح الكندي دفتر تجربته بين الإخراج والبحث، متطرقاً لجدلية الذاكرة، وأمانة الوثائقي، وتحول العمارة إلى شخصية درامية، إلى جانب آفاق الإنتاج والشراكة، ورؤيته لهوية السينما العُمانية وعالميتها.

بعد توثيقك خمسة عقود في كتابك (تحولات السينما العُمانية)، ما الذي غاب عن هذه الذاكرة؟ وهل السينما تحفظ الذاكرة أم تصنع بديلة؟

الكتاب والفيلم لا يحفظان الذاكرة كاملة، وإنما يسجلان ما استطاع الباحث الوصول إليه في لحظة زمنية معينة، بينما يظل ما غاب جزءاً من ذاكرة مؤجلة تنتظر باحثاً آخر يستكشفها. وفي توثيق خمسة عقود من السينما العُمانية، لا يمكن ادعاء الإحاطة بكل شيء، إذ غاب عن الكتاب جانب كبير من الذاكرة الإنسانية خلف الكاميرا، كالحكايات الصغيرة، والمواقف الكواليسية، والتفاصيل اليومية لصناع الأفلام، فالسينما العُمانية ليست مجرد إنتاج سينمائي، بل ذاكرة أجيال حاولت التعبير عن تحولات مجتمعها. فالسينما تحفظ الذاكرة وتصنع ذاكرة جديدة في الوقت ذاته؛ فعندما نصور حدثاً أو مكاناً، نحن لا ننقله بحياد تام، بل نختار زاوية النظر، وحجم اللقطة، والإيقاع، وما نُظهره أو نستبعده خارج الكادر، ومن هنا تبدأ صناعة ذاكرة سينمائية تعيد تشكيل الواقع دون أن تنفصل عن جوهر الحقيقة الإنسانية التي انطلقت منها.

أين تبدأ أمانة المخرج للواقع في الفيلم الوثائقي، وأين تبدأ مسؤوليته عن إعادة تفسيره ورسم زواياه؟

أمانة المخرج للواقع لا تعني التزام الحياد كآلة تسجيل، فالوثائقي في جوهره موقفٌ ورؤية بشرط عدم الخيانة أو التلاعب بالحقيقة. وتبدأ مسؤولية المخرج من لحظة تحديد الرسالة والغاية، لتبدأ معها أدواته السينمائية من مكان وضوء وصوت ومونتاج في بناء هذه الرؤية.

الوثائقي بالنسبة لي حوارٌ بين الحقيقة ووجهة نظر المخرج؛ أنا لا أغيّر الواقع، بل أبحث عن الزاوية التي تجعل المشاهد يراه بعمق أكبر. وهنا يتحول المخرج من مجرد ناقلٍ للحدث إلى مُفسّرٍ له، مع التزامه الكامل بالأمانة الأخلاقية تجاه الموضوع والمشاهد.

تنوعت أدوارك بين المخرج والمنتج والتمثيل والباحث والمدرب، أيٌّ منها خدم المخرج الداخلي فيك، وأيُّها كان عبئاً أخذ من وقتك الفني؟

تتشكل بداياتي من كوني مشاهداً ومستمعاً لشاشات السينما وأغاني العمالقة وتلاوات القرآن، ما شكل حساسيتي الإيقاعية البصرية قبل أن أدرك ذلك. وعندما صرت مخرجاً لم أبدأ من الصفر، بل من خزينٍ وجداني مكتمل.

كل أدوار خدمتك، فالإنتاج علمني أن السينما منظومة موارد وقرارات، والتمثيل جعلني أفهم الممثل من داخل المشهد، والبحث منحني الصبر، والتدريب فتح لي أفق التعلّم من الآخرين.

ورغم أن تعدد المهام يُشكل عبئاً يُستهلك وقت التأمل وصناعة الصورة، إلا أنه لم يكن بالإمكان أن أصبح المخرج الذي أنا عليه اليوم دون هذه التجارب؛ فهي ليست مسارات منفصلة، بل طرقٌ التقت عند نقطة واحدة: فهم السينما عميقاً.

في وثائقي (كنوز عُمان البحرية)، ما المشهد الذي صورته تحت الماء وما زال عالقاً في ذاكرتك لأنه غيّر شيئاً في فهمك للموضوع وطريقة إخراجك؟

أكثر ما بقي في ذاكرتي هو النظر إلى ذاك العالم المكنون المليء بحياة لا حدود لها مَداً ولوناً وشعوراً. أتذكر أنني قلت تحت الماء: (سبحان الله)، إذ فاق الجمال الوصف حتى تمنيت البقاء هناك.

تحت الماء تتغير علاقتك بالمكان؛ حيث الصمت، والضوء المتسلل من الأعلى، والجبال والمصائد المرجانية التي تتحرك حولها كائناتٌ هي المالكة الحقيقية للمكان.

هذه التجربة غيّرت فهمي للموضوع وإخراجي، إذ أدركت أنني لا أصور مجرد كائنات بحرية، بل أراقب أطواراً من الزمن. وصارت الكاميرا وسيلة لاكتشاف هذا العالم المكنون بدلاً من مجرد تسجيله، بعدما لمستُ كيف تكون التفاصيل الدقيقة أكثر قدرة على رواية القصة والتعمّق في جوهرها من اللقطات العامة

قدمتم في فيلم (سقف) وقرأتم بحثياً العلاقة بين السينما والعمارة العُمانية، كيف يمكن تحويل المكان المعماري الصامت إلى عنصر درامي سينمائي يروي قصة إنسانية بدلاً من مجرد خلفية جغرافية؟

«المكان ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو حاملٌ لذاكرة من عاشوا فيه. وفي العمارة العُمانية، تتحول التفاصيل من أبواب وفناء وأزقة وظلال إلى لغة سينمائية بليغة؛ فبمجرد دخول الإنسان إليها يبدأ المكان بالكلام، وتصبح آثار الاستخدام أو نافذة مفتوحة كفيلة برواية حياة كاملة. في فيلم (سقف)، لم يكن اهتمامي بالعمارة كشكل جمالي فقط، بل كوعاء للذاكرة الإنسانية. المخرج الذكي يستطيع تحويل المكان الصامت من مجرد خلفية جغرافية إلى شخصية سينمائية قائمة بذاتها، تمتلك تاريخاً ومشاعر ودلالات تُسهم في بناء الدراما

هل تخشى أن يتحول هاجس الحفاظ على الهوية إلى تقديم صورة مثالية عن المجتمع، بدل أن تكشف السينما تناقضاتها وأسئلتها ومناطقها المسكوت عنها؟

الحفاظ على الهوية لا يعني تجميل الواقع أو تقديم مجتمع بلا أخطاء أو تناقضات.

بالعكس، أعتقد أن الهوية الحقيقية تصبح أكثر قوة عندما تستطيع السينما أن تواجه أسئلتها الداخلية بشجاعة.

أنا لا أؤمن بالسينما التي تقدم مجتمعاً مثالياً لا يشبه الحياة. الإنسان هو محور السينما، والإنسان يحمل القوة والضعف، والحلم والخوف، والنجاح والفشل. السينما التي أؤمن بها هي التي تحترم المكان والإنسان، وتكشف جماله وأسئلته في الوقت نفسه. فالهوية ليست صورة ثابتة، وإنما كائن حي يتغير ويتطور. أما السينما التي أخاف منها هي التي تتحول إلى واجهة سياحية جميلة فقط.

ماذا أضافت تجربة (المبادلة) إلى محمد الكندي كمخرج ومنتج؟ وما أبرز الدروس والأبعاد الفنية والإنتاجية التي خرج بها من هذه التجربة؟

«أضافت لي تجربة (المبادلة) الكثير، إذ أتاحت التعامل المباشر مع مخرجين ومنتجين إيرانيين، والتعرف عن قرب على آليات إنتاجهم لبناء جسور سينمائية حقيقية.

وفتحت التجربة آفاقاً لاستقطابهم للتصوير في سلطنة عُمان كوجهة إنتاجية مميزة بما تمتلكه من بيئات طبيعية وتاريخية متنوعة، فضلاً عن إتاحة فرص للتعاون مع القطاع الخاص العُماني للاستثمار في إنتاج أعمالهم.

كما أسهمت في تعزيز الشراكة بمجال المهرجانات والفعاليات الثقافية، وتوسيع العلاقات السينمائية بين البلدين.

وبذلك، لم تكمن قيمة (المبادلة) في الفيلم بذاته فحسب، بل فيما فتحه من آفاق جديدة للتعاون السينمائي والثقافي والإنتاجي بين سلطنة عُمان وإيران

هل تحتاج السينما العُمانية اليوم إلى مجرد إنتاج أفلام أكثر، أم أنها بحاجة أولاً إلى اكتشاف الموضوعات الخاصة التي لا يستطيع أحد أن يحكيها للعالم إلا العُمانيون؟

إنتاج الأفلام مهمٌّ طبعاً، لكن الأولوية لاكتشاف موضوعاتنا الخاصة؛ فعُمان تمتلك تاريخاً وجغرافيا وبحراً وذاكرة غنية لم تُستكشف سينمائياً بعد. هناك حكاياتٌ لا يستطيع الوصول إلى أعماقها إلا مَن ينتمي لِهذه الأرض وتفاصيلها.

العالم لا ينتظر منا تقليد تجاربه، بل يترقب إضافتنا الخاصة للصورة العالمية. والسينما العُمانية ستصل للعالمية حين تنطلق من الإنسان العُماني ومكانه وذاكرته، لِتُحوِّل هذه الخصوصية إلى لغة إنسانية يُدركها الآخر.

فالغاية ليست مجرد صناعة فيلمٍ عن عُمان، بل جعل العالم يراها عبر قصة إنسانية صادقة لا يرويها غيرنا.