«قد تكون المعاناة، أو الألَم بمعناه الواسع، تجربةً غير سارَّة أو نفورًا، رُبَّما ترتبط بإدراك الأذى أو التهديد به لدى الفرد. تُعَدُّ المعاناة العنصر الأساس الذي يُشكِّل القِيمة السلبيَّة للظواهر العاطفيَّة. أمَّا نقيض المعاناة فهو اللّذة أو السَّعادة».
منذ بدء الخليقة والمعاناة لصيقة بحياة الإنسان، والشقاء مصاحب له لا يكاد يفارقه، فالمرض وآلامه، والعجز والشَّيب، وفراق الأحبَّة، والفقر المدقع، وخيانة الأخ والصَّديق والإخفاقات الحادَّة. كلُّها تُسبب الحزن والوجع والمرارة، وتطفئ البهجة وتسلب السَّعادة وإن بدرجات متفاوتة. ولا يكاد المرء يتجاوز محنة من مِحن الأيَّام التي ترتبط بمَسيرة البشر، وتُعَدُّ قدرًا من أقدارهم، وخصِّيصة من خصائصهم، وأحداثًا متتابعة تتناسل من رحم الساعات والأيَّام في محطَّات مَسيرتهم فتعيقهم برهة من الزمن قَبل أن يستردوا أنفاسهم من جديد وهكذا دواليك، تغيب وتنقطع الأحزان عن البعض حدَّ الاطمئنان والاعتياد واليقين بأنَّ حبال الودِّ مع البهجة والفرح والسَّعادة والاجتماع ممدودة لا نهاية لها، وتمهل آخرين أشهرًا وسنوات، وتتواتر وتضغط وتقسو بشدَّة على الكثيرين، ولا يملك الإنسان الكثير من الخيارات والمكنات والوقايات أمام المرض والموت والشَّيب وما كان واقعًا وأساسيًّا في تكوينه وطبيعته وأمرًا مقدَّرًا في جيناته الوراثيَّة.. إلَّا ما استطاع الطِّب والسُّلوك الشخصي الصارم المحافظ، أن يعالجَه ويجدَ له دواء شافيًا وكان مفيدًا لحماية الصحَّة لفترةٍ محكومة بزمن وعمر وطبيعة وبيئة وثقافة عامَّة. النَّوع الثاني من المعاناة التي يتناولها هذا المقال مردُّها إلى الإنسان نفسه، ما تنتجه شروره وآثامه وأعماله السيئة، وسياساته الظالمة، وأفعاله القبيحة في حق نفسه وإخوته وقرنائه وبيئته ووطنه... من ظلم واستعباد وقهر، واستغلال مفرط، وخيانة وتآمر وغيرة وحسد... بدافع التحكم والهيمنة والطَّمع والشَّغف بالمال، والتسلط والجهل، وطباع رديئة مردُّها سوء التقدير، وتجاهل الدروس والخبرات والتجارب، وقلَّة الأدب وضعف الوعي والتربية والتعليم، وبيئة فاسدة، وظروف سياسيَّة واجتماعيَّة وماديَّة وثقافيَّة كثيرة تُشكِّل طباع الإنسان وتتحكم في سلوكه وتتعود عليها ممارساته وأفعاله وتصقل شخصيَّته... ينتمي إلى هذه الشريحة، الفرد العادي في بيئته ومنطقته فيتسبب في معاناة أطراف وأعداد محدودة جدًّا، نفسه وأُسرته وأقرانه وزملائه ومَن يتعامل معهم... في المحيط الصغير الذي لا يتجاوزه أثَره، وفيهم مَن بلغ شأوًا كبيرًا، وارتقى درجات رفيعة في سلَّم النفوذ، ويحظى بأتباع ومستفيدين ومنتفعين وشبكة واسعة من المصالح، ولقراراته وكلامه ورأيه وسياساته وتعليماته قدسيَّة وقوَّة وسرعة تنفيذ بدافع الخوف أو المصلحة أو التغرير أو الاعتقادات الخاطئة والجهل، والانقياد إلى خِطابات مظللة أو بوسائل وأدوات قاهرة، من هؤلاء المسؤول والسياسي وعالم الدِّين ورجُل الأعمال والتاجر والوجيه والغني والحاكم والزعيم ويتسببون في معاناة إنسانيَّة هائلة وأثَرهم واسع وعميق وقدراتهم على إلحاق الضَّرر والتدمير والفوضى تفوق التوقع وتتجاوز المنطق، وتستغلق على الفهم والتفسير، وليست الحربان العالميتان الأولى والثانية عنَّا ببعيد، وقد تسبَّب في نشوبهما وإطلاق شررهما بضعة أفراد ممَّن أشار لهم المقال وصنَّفهم، وكانت نتائجهما كارثيَّة والمعاناة لحقت بمئات الملايين من البشر الذين زهقت أرواحهم، وحطمت نفسيَّاتهم، وفرِّق بينهم وبين أحبابهم وذويهم، وسُلبت أو دُمِّرت أملاكهم، وسُحقت كرامتهم، وهجِّروا من مناطق سكناهم وعن أوطانهم... قرار يتَّخذه فرد مُصاب بجنون العظمة أو الحقد والكراهية، أو مرض نفسي أو التعصُّب الأعمى لعِرق أو مذهب أو فكر، أو لصناعة أمجاد تاريخيَّة، ولِيصبحَ الأوحد الذي ينشغل به ويتحدث عنه العالم... وهو متربع في قمَّة هرم السُّلطة فتنعكس المعاناة على الملايين من الناس في أنحاء العالم، وتعمُّ الفوضى، وتنهار دول وتتخلف مُجتمعات ويَسُودها الفقر والجهل والطبقيَّة، وتنعدم المساواة، ويضيع إرث إنساني عظيم، وتتبدَّد ثروات مهولة لو وظِّفت واستثمرت في خدمة البشريَّة لعالجت الأسباب الحقيقيَّة للمعاناة، وقادت إلى ازدهار الحياة، وعاش الناس في رخاء وحُب وسلام، وشاع الأمن والاستقرار، وكنَّا أكثر تقدُّمًا ورفاهيَّة من حيث تشارك الجميع فيهما والمساواة في الاستفادة منهما، وما كنَّا شاهدنا هذا الكَمَّ المُتراكم من الصوَر والمقاطع والأخبار والمشاهدات المباشرة التي يندَى لها الجبين في عصر الثورات العلميَّة والتقدُّم البشري الهائل وتكنولوجيا الذَّكاء الاصطناعي... والتي تعكس حقيقتنا وازدواجيَّتنا وحجم الهوَّة بين عوالم، التباين فيما بينها عميق وحادٌّ، مشاهد لهياكل بشريَّة تكاد تفارق الحياة من شدَّة الجوع والفاقة وهي تبحث عن لقمة عيش وقطرة ماء صالحة للشرب فعزَّ عليها ذلك حتى من عبوات القمامة، وهذه المذابح المروِّعة والمقابر الجماعيَّة التي تصوِّر قسوة الإنسان وظُلمه وشراسته وكفره بكل الشرائع والقوانين والأعراف والقِيَم والعقل والمنطق، وعمليَّات التطهير العِرقي والحروب المُرعبة بمختلف أشكالها وصوَرها التي اندلعت وما زالت تتأجج وتشتعل خصوصًا في بلداننا العربيَّة والإسلاميَّة، فتخلِّف الموت والقهر والتهجير والتدمير والخراب والفوضى والتخلُّف والظلم الذي يسحق كبرياء الإنسان، وما اليمن والعراق وليبيا ولبنان وفلسطين وأفغانستان وميانمار... عنَّا ببعيد، فهي نموذج لحجم المعاناة وهولها التي يلحقها الإنسان بالإنسان دون شعور يؤمل إيقاظه الضمير الغارق في سباته، ولا اكتراث لعواقب تشغل المتسبب وتقلقه فتعيد له حساباته، كيف لا وقد اطمأن وأمن المساءلة والعقوبة، فالمؤسَّسات والمنظَّمات الدوليَّة والدول والقوى الكبرى تحترم القوي النافذ المالك للثروات، فتتضامن وتتحالف معه، فهكذا يمشي النظام العالمي، وهكذا هي قوانينه وأنظمته تفسح ما ضاق، وتعبِّد الوعر، وتساعد القوي النافذ وتدعمه، وتصوغ التشريعات لِتسهلَ عليه تحقيق مآربه وخططه وأهدافه، وفلسطين خير شاهد وأعظم دليل وأصدق نموذج على هذه الحقيقة. إنَّ الأنظمة السياسيَّة المتشبثة والقابضة على ناصية الحكم والغارقة في الفساد والظلم والقمع، ومصالح الدول العظمى، ومافيا الأثرياء ورجال الأعمال حول العالم والشركات العابرة للقارَّات، شرعت وأسّست للهيمنة والسيطرة على الشرائح المهمَّشة والأكثر عددًا، من الفقراء والبائسين والمحتاجين، واستعبادهم واستغلالهم، ووضعهم تحت المراقبة وضمان إبقائهم في قفص العبوديَّة والفقر والحاجة... ففي الأسواق الشَّعبيَّة والأحياء الفقيرة والمناطق البائسة التي تفتقر إلى أبسط مُقوِّمات الحياة الإنسانيَّة الكريمة، خصوصًا في الدول الفقيرة ينتشر الفقر والجهل، وتتفاقم المُشْكلات الاجتماعيَّة العميقة، وتتحطم الأحلام والآلام، ولا يستطيع الأطفال أن يحصلوا على التعليم والعلاج والأساسات البسيطة التي تشعرهم بشيء من الفرح والسَّعادة... فالتآمر وسلب حقوق الآخر، وإيقاع الظلم، والقطيعة والتكفير وإخراج مَن نختلف معه من الملَّة والمذهب والعقيدة والجنسيَّة وشبكة المصالح الفاسدة والنتنة... جميعها تسبِّب المعاناة والشقاء، وتدمِّر نفسيَّة كل مَن تقع عليه هذه الممارسات. وصدَق المتنبي إذ قال قبل أكثر من ألف عام «والظلم من شيم النفوس فإن تجد * ذا عفة فلعلة لا يظلم». ومعاناة الحارث بن عباد، بمقتل فلذة كبده شاب لها رأسه، «وأشابوا رأسي بقتل جبير. قتلوه ظلمًا بغير قتال».
سعود بن علي الحارثي