الأحد 04 أكتوبر 2026 م - 22 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : القيم... بوصلة التعليم فـي زمن التحولات

في العمق : القيم... بوصلة التعليم فـي زمن التحولات
السبت - 03 أكتوبر 2026 02:54 م

د.رجب بن علي العويسي

20

انطلاقًا من دَوْر التعليم في الحفاظ على المواطن والهُوِيَّة والتراث والثقافة الوطنيَّة، عبر تحقيق أولويَّة «التعليم والتعلُّم والبحث العلمي والقدرات الوطنيَّة»، وأولويَّة «المواطنة والهُوِيَّة والتراث والثقافة الوطنيَّة» لذلك يصبح تطوير نظام التعليم بجميع مستوياته وتحسين مخرجاته أمرًا ضروريًّا لبناء الإنسان الواثق من هُوِيَّته، المتمسِّك بقِيَمه الاجتماعيَّة، المبتكر والنشط اقتصاديًّا، وذلك من خلال التركيز على رفع جودة التعليم المدرسي والتعليم العالي، وتطوير المناهج والبرامج التعليميَّة، لِتصبحَ مناهج تعليميَّة معزِّزة للقِيَم، ومراعية لمبادئ الدِّين الإسلامي، والهُوِيَّة العمانيَّة، ومستلهمة من تاريخ عُمان وتراثها، ومواكبة لمتطلبات التنمية المستدامة، ومهارات المستقبل، وتدعم تنوعًا في المسارات التعليميَّة؛ ذلك أن عمليَّة المحافظة على الهويَّة وتعزيز المواطنة المسؤولة تنطلق من إدماج هذه المفاهيم في المناهج والبرامج التعليميَّة، وتنشئة جيل الثورة الصناعيَّة الرابعة على مرتكزات القِيَم والهُوِيَّة والتراث والثقافة والحضارة العُمانيَّة على مر العصور.

وفي هذا السياق، تأتي التحوُّلات التي شهدتها منظومة التعليم في سلطنة عُمان، والمتمثِّلة في توحيد مظلَّة التعليم المدرسي، والتعليم العالي، وما قبل المدرسة، والتعليم المهني والتقني، وغيرها من أنماط التعليم، تحت وزارة التعليم بموجب المرسوم السُّلطاني رقم (14/2026) باعتبارها فرصة استراتيجيَّة لإعادة بناء المشروع القِيَمي الوطني على أُسُس أكثر تكاملًا وشموليَّة. نظرًا لِمَا يمكن أن يفتحَه من آفاقٍ أوسع لتوحيد الفلسفة التربويَّة، وبناء مسار قِيَمي ممنهج ومتدرج، يراعي الخصوصيَّة الدينيَّة والسَّمْت العُماني مستمدًّا من النظام الأساسي للدَّولة، بحيث يرافق المتعلم منذ الطفولة المبكرة، مرورًا بمراحل التعليم المدرسي، وصولًا إلى التعليم العالي والمهني والتقني، بما يَضْمن الاتِّساق في الرسائل القِيَميَّة، وتكامل الأدوار، وعدم الانفصال بين المعرفة والسلوك، أو بين المهارة والقِيمة.

ويتيح هذا التكامل لوزارة التعليم، في ظلِّ اختصاصاتها الموسَّعة، أن تؤسِّسَ لبناء إطار وطني جامع للقِيَم، يرفع سقف التعامل معها من كونها مُكوِّنات ضمنيَّة أو مقرَّرات معزولة، إلى كونها مرجعيَّة حاكمة للسياسات التعليميَّة، والمناهج، والبرامج، والأنشطة، وثقافة المؤسَّسات التعليميَّة، وأنماط العمل، وأساليب التقويم. كما يفتح المجال أمام الاستثمار الأمثل للقِيَم في البرامج المتاحة للوزارة، سواء في تصميم المناهج، أو إعداد المُعلِّمين، أو تطوير بيئات التعلم، أو بناء الشراكات مع مؤسَّسات المُجتمع، بما يُعزِّز حضور القِيَم في التعليم الأكاديمي، والمهني، والتقني، ويربطها مباشرة بجودة حياة الإنسان، وأخلاقيَّات العمل، والمسؤوليَّة المهنيَّة، والمواطنة المنتجة. فإنَّ الموقع الذي يُشكِّله التعليم في البناء القِيَمي والأخلاقي، والتأصيل الفكري المتوازن للناشئة العُمانيَّة، يصبح أكثر مركزيَّة في ظلِّ هذه المنظومة المتكاملة، بما يمكِّنها من العيش في عالم متسارع التحوُّلات، مع تثبيت البُعد القِيَمي والأخلاقي والثوابت الوطنيَّة باعتباره محكَّات استراتيجيَّة، ومرتكزات أصيلة لا تتعارض مع التنافسيَّة والعالميَّة، والاستفادة من علوم العصر، أو العلاقات الدوليَّة وأفضل الممارسات العالميَّة في المجالات العلميَّة والتنمويَّة والتطويريَّة.

وبالتالي الموقع الذي يُشكِّله التعليم في البناء القِيَمي والأخلاقي، والتأصيل الفكري المتوازن للناشئة العُمانيَّة القادرة على العيش في ظلِّ معطيات كونيَّة متسارعة، ووضع البُعد القِيَمي والأخلاقي والثوابت المُجتمعيَّة الوطنيَّة باعتبارها محكَّات استراتيجيَّة ومرتكزات أصيلة لا تتعارض مع التنافسيَّة والعالميَّة والاستفادة من علوم العصر، كما لا تتعارض مع العلاقات الدوليَّة والاستفادة من أفضل الممارسات العالميَّة في مختلف المجالات العلميَّة والتنمويَّة والتطويريَّة، هذا التناغم بين الرصيد القِيَمي والأخلاقي وما يضمُّه من موروث حضاري أنتَجَه الإنسان العُماني في حقب التاريخ المختلفة والتزمه منهج حياة وخيارًا تنمويًّا استطاعت من خلاله الثقافة العُمانيَّة أن تثبتَ في وجْه المتغيِّرات، بل أن يكونَ لها حضورها وموقعها المؤثِّر ومكانتها التي حَظِيَت بها في كل الأماكن والمواقع التي وصل إليها العُمانيون.

وما يعنيه ذلك من أهميَّة إحداث نقلة نوعيَّة في طريقة تدريس القِيَم وتآلفيَّتها مع الإنسان، وصناعة الظروف المواتية لها في بيئة التعليم، وأن تؤسِّسَ المرحلة القادمة لنُظم عمل جديدة تضع سياسات التعليم وخططه وبرامجه ومناهجه وأنشطته أمام مسؤوليَّة إعادة تدريس القِيَم بطريقة تَضْمن قدرتها على تأسيس التوازن في حياة النشء، وترقية نوازع الخيريَّة والصلاح والقدوة والنموذج فيه، وترسيخ السلوك المهني المتقن الذي يَضْمن استدامة توظيف المتعلم لهذه القِيَم كموجِّهات لحياته اليوميَّة، تحفظه من الزَّلل، وتنتشله من السقوط، وتصونه من الانحراف، وتدفع عنه المخاطر والكوارث، وتُعزِّز فيه روح المسؤوليَّة في التعاطي مع الأزمات والجوائح والظروف، وتوفير حصانة نفسيَّة وفكريَّة وأخلاقيَّة تَضْمن مساحة أكبر من الاطمئنان والأمان الذي يتحقق للفرد وهو يضع غراس القِيَم أمام تطبيقات عمليَّة، وبوصلة له في توجيه ممارساته وتفكيره وأحكامه.

إنَّ القِيَم بذلك روح التغيير المتوازن الذي يسري في حياة الإنسانيَّة فينقلها من دركات الجهالة والسقوط والإجرام إلى درجات الحضارة والرُّقي والاحتواء والاحترام، وهي سِمات ومبادئ وأخلاقيَّات تُشكِّل منظومة تكوين الإنسان السَّوي، الفكري والنفسي والاجتماعي والأخلاقي لِيكونَ إنسانًا منتِجًا ومؤثِّرًا وفاعلًا في محيطه، متفاعلًا متعايشًا مع واقعه ومستجدَّات عالمه، يصنع القوَّة، وينتج الوعي، ويبني المسؤوليَّة، ويعيش مرحلة التسامح والعزَّة والشَّرف، وصحو الضمير وقوَّة الإيمان، وصلابة الأحكام، والاطمئنان في مواجهة الانكسارات والظروف والتحوُّلات والتغيُّرات التي تحدُث له، فتؤسِّس فيه قِيَم السَّلام الداخلي، والرِّضا النفْسي، وحُب الآخرين، والبِر، والحنان والعطف، وإدارة المشاعر، والصبر والأناة وغيرها، مستفيدة من استراتيجيَّات التدريس القائمة على تعريض الناشئة لمواقف محاكاة الواقع، وحُسن التصرف فيها، وإيجاد الحلول المناسبة لها من خلال استنطاق المضمون والمحتوى القِيَمي، واستنهاض الإرادة والمحفِّزات الذاتيَّة والنماذج العمليَّة، وترسيخ قِيَم الخيريَّة في حياة الإنسان، بحيث تصبح المدارس والجامعات ومؤسَّسات التعليم الأخرى بيئات لتدريس القِيَم، ونماذج لترقية الأخلاق، وتجريبها في المواقف، واختبارها في الظروف والشَّدائد، وانطلاقة القِيَم من الفصل الدراسي وبيئة المدرسة وثقافة التعليم والتعلم، لِتظهرَ في أُسلوب الخِطاب التعليمي مع المُعلِّم والإدارة، وبين الطلبة، وفي المحافظة على الأدوات المدرسيَّة، وحماية السلوك الإيجابي، وترقية الذَّوق العام، وتجريب القِيَم في مواقف بيئات التعلم وتفاصيلها الدقيقة، وتصرفات المتعلمين، وامتلاكهم أدوات التغيير، لِتصبحَ القِيَم حلولًا استراتيجيَّة وأدوات عمليَّة في مواجهة الظروف والوقوف على التحدِّيات، والتثمير في الفرص والقدرات، وانتزاع صفة الذَّاتيَّة والأنانيَّة، والكراهية والتنمُّر، والحقد والحسد، والمنافسة السلبيَّة والاعتداء على الآخر في بيئات التعليم والتعلم.

من هنا فإنَّ أيَّ إصلاح يتمُّ الحديث عنه اليوم في بنية التعليم وهيكلته وبرامجه وخططه ومناهجه وأنشطته وأدواته ووسائله وعناصره، يجب أن يضعَ في الحسبان البُعد القِيَمي والأخلاقي والثوابت باعتبارها مرتكزات التحوُّل وطريق بناء الإرادة الوطنيَّة، وهي المنطلق لبناء إنسان قادر على أن يصنعَ ذاته، ويبنيَ قدراته، ويؤسِّسَ مهاراته، ويتفاعلَ مع هذا الكون بكل معطياته، لِتنصهرَ القِيَم والأخلاق في تعاملاته وعلاقاته، وسِماته وصفاته، وانطلاقته للحياة، وقراءته للظروف والعيش في عوالمها المُتعدِّدة ومتغيِّراتها المستمرَّة وتراكماتها الكبيرة، وقدرتها على انتشال الإنسان من براثن السقوط الأخلاقي والأنانيَّة والساديَّة والإجرام، وحالة الفوضى الفكري وقسوة المشاعر، ووحشيَّة التصرف، وعقم التفكير، ونرجسيَّة الفكر.

أخيرًا، يبقى على التعليم اليوم أن يوجِّهَ بوصلته إلى تعزيز المهارات الاجتماعيَّة والتقنيَّة الناعمة، وتوجيه الطلبة نحو ريادة الأعمال والابتكار والتقنيَّات الحديثة والذَّكاء الاصطناعي وإدارة المواهب، وإنتاج مُجتمع مُتماسِك قادر على أن يعتمدَ على نفسه وينتجَ احتياجاته، إلَّا أنَّ نجاح هذه الموجِّهات وتأصيلها، عقيدة والتزامًا وفِقهًا وممارسةً، وإعادة إنتاجها بما يخدم أمن الإنسان وسلامه الداخلي، لا يمكن أن يتحققَ بدونِ صقلها بأنسولين القِيَم والأخلاق والثوابت، ونقلها من كونها مادَّة خامًا وحالة مجرَّدة إلى بعثِ الحياة فيها لِيسعدَ المواطن ويزدهرَ الوطن، وبالتَّالي أن تُعادَ عمليَّة تدريس القِيَم وتقييم أدواتها في واقع بيئة التعلم والتعليم، وربطها بمُكوِّنات جودة حياة الإنسان، وربط ما يندرج ضِمن هذه القِيَم من عادات وتقاليد ومبادئ وعلاقات أصيلة في المُجتمع، لِتقرأَ في إطار منظومة أخلاقيَّة إنسانيَّة اجتماعيَّة عالميَّة قادرة على صناعة الإنسان واحتوائه وتوفير البيئة الآمنة له.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]