السبت 03 أكتوبر 2026 م - 21 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : خبرة تتراكم لاقتصاد فضائي

السبت - 03 أكتوبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

يمنح نجاح الإطلاق التجريبي الثاني من ميناء «إطلاق» الفضائي بالدُّقم فرصةً لقراءة تطوُّر قِطاع الفضاء في سلطنة عُمان من زاوية قدرته على بناء خبرة تشغيليَّة تتَّسع مع كلِّ مهِمَّة؛ فقد اختبرت الرحلة إجراءات الإطلاق وأداء الصاروخ وأنظمته أثناء الطيران ضِمن ارتفاع مستهدف، وهو نطاق يُحدِّد طبيعة الإنجاز، ويضع تقييمه على أساس ما تَحقق فعليًّا. وتظهر أهميَّة الحدث في تكامل أعمال تجهيز الموقع ودمج المُكوِّنات وإدارة السَّلامة واستقبال بيانات الحركة؛ فهذه العمليَّات هي التي تمنح البنية الأساسيَّة قدرتها على تقديم الخدمة. ومع تكرار التجارب، يصبح الميناء أمام رصيد من النتائج يمكن الاستفادة منه في تحسين الإجراءات، وتحديد مواطن القصور، وتقليل احتمالات الخطأ؛ بما يجعل التعلم المتواصل جزءًا من بناء موثوقيَّة المشروع واستعداده لمهام أكثر تعقيدًا.

ولعلَّ أكثر ما يستحقُّ الاهتمام في التجربة هو المعرفة التي تكتسبها الفِرق العُمانيَّة عبر المشاركة في مراحل التنفيذ؛ إذ يحتاج توطين التقنيَّة إلى ممارسة تتيح فَهْم الأنظمة، والتعامل مع تحدِّياتها، وتحمُّل مسؤوليَّات تشغيلها. وتزداد قِيمة الشراكات حين تفتح أمام المهندسين والفنِّيين فرصًا متدرِّجة للتأهيل، وتمنح المؤسَّسات الوطنيَّة قدرةً على الاحتفاظ بالخبرة وتطويرها. ومن هنا تتجلَّى أهميَّة توثيق نتائج الاختبارات، وربط احتياجات الميناء ببرامج التعليم والتدريب والبحث العلمي؛ حتى تجدَ التخصُّصات ذات الصِّلة مسارات واضحة للتطبيق والعمل. فالمعرفة المتراكمة تحتاج إلى بيئة تتداولها، وتختبرها، وتضيف إليها؛ ويتيح ذلك الارتباط للجامعات والمؤسَّسات البحثيَّة توجيه جانب من جهودها نحو مسائل عمليَّة تنشأ من احتياجات التشغيل، وتعود نتائجها إليه؛ فتتَّسع قاعدة الكفاءات القادرة على دعم القِطاع.

وتكشف مشاركة مشغل عُماني وشركاء من سنغافورة وأستراليا عن فرصة لتطوير موقع سلطنة عُمان في شبكة الخدمات المرتبطة بقِطاع الفضاء؛ حيث تتحدَّد جاذبيَّة وجهة الإطلاق بقدرتها على تنسيق الأطراف، ووضوح إجراءاتها، وانضباط التنفيذ فيها. ويتيح استقطاب مهام جديدة اختبار هذه المُقوِّمات وتطويرها، كما يمكن أن يولدَ طلبًا على خدمات هندسيَّة وتقنيَّة ولوجستيَّة، وأنظمة اتِّصال وقياس، وأعمال اختبار وصيانة. وتتوقف استفادة الاقتصاد المحلِّي من هذا الطلب على جاهزيَّة المؤسَّسات للمشاركة واستيفاء المتطلبات الفنيَّة، وعلى وجود فرص تعاقديَّة تساعدها على الاستثمار في قدراتها. ولهذا تكتسب تنمية المورِّدين المحلِّيين أهميَّة مبكرةً؛ حتى تتَّسعَ الرَّوابط بين الميناء والأنشطة المحيطة به، وتجدَ المؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة مداخل واقعيَّة إلى سلسلة القِيمة، وفق كفاءتها وقدرتها على الوفاء بمعايير الجودة والسَّلامة.

إنَّ استدامة المسار ترتبط بتحويل الخبرة التجريبيَّة إلى خدمات تستقطب طلبًا متكررًا، وتُحقق عائدًا يُساند استمرار التطوير؛ فالانتقال نحو الإطلاق التجاري يحتاج إلى سجلِّ أداء موثوق، وقدرة على تحسين الكلفة ومدَّة التجهيز، وإجراءات سلامة تتطور مع طبيعة المهام وحجمها. ويمنح دعم البرنامج الوطني للفضاء المشروع إطارًا لربط البنية الأساسيَّة بجذب الاستثمار ونقل التقنيَّة. وتظلُّ فاعليَّة هذا الترابط مرتبطةً بنتائج قابلة للمتابعة، تشمل نُمو المهام، واتِّساع المسؤوليَّات المحليَّة، ومشاركة المؤسَّسات الوطنيَّة. ومن تلك الزاوية تتقدم قِيمة الإطلاق النَّاجح حين تؤسِّس كلُّ رحلة لِمَا بَعدها، وتتحول الدروس المستفادة إلى قرارات تشغيليَّة واستثماريَّة واضحة. وبذلك تستطيع الدُّقم بناء نشاط تخصِّصي يضيف إلى تنوُّعها الاقتصادي، ويمنح قِطاع الفضاء العُماني قاعدةً للنُّمو تستند إلى الخبرة والطَّلب وكفاءة التَّنفيذ.