الأحد 04 أكتوبر 2026 م - 22 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

الحياة ما بعد التقاعد.. مرحلة جديدة تتطلب التخطيط بحكمة

الحياة ما بعد التقاعد.. مرحلة جديدة تتطلب التخطيط بحكمة
السبت - 03 أكتوبر 2026 02:52 م

نجوى عبداللطيف جناحي

20

يأتي التقاعد في حياة الإنسان بوصفه محطَّة فاصلة بين مرحلتين؛ مرحلة كانت تحكمها ساعات العمل والمواعيد والالتزامات المهنيَّة، ومرحلة جديدة تتَّسع فيها مساحة الوقت والاختيار. ولأنَّ الإنسان اعتاد طوال سنوات عمله أن يقيسَ يومه بما أنجزه في وظيفته، فقد يجد نفسه أمام سؤال مُهمٍّ: ماذا بعد التقاعد؟ وهل تكون هذه المرحلة فرصة للراحة والاستمتاع وإشباع الهوايات التي حُرم من ممارستها خلال فترة الوظيفة؟ أم بداية لمسار مهني جديد؟ أم مساحة لإعادة بناء العلاقات الاجتماعيَّة والاهتمام بما أجَّلناه طوال سنوات العمل؟

الحقيقة أن الحياة بعد التقاعد لا ينبغي أن تُختزلَ في صورة واحدة. فهناك مَن يجد في العودة إلى الحياة المهنيَّة فرصة لاستثمار خبراته الطويلة، سواء من خلال العمل بدوام جزئي، أو تقديم الاستشارات، أو التدريب، أو المشاركة في مشاريع مهنيَّة تناسب قدراته ووقته. فالخبرة التي جمعها الإنسان خلال سنوات العمل لا تنتهي بمجرَّد مغادرته الوظيفة، بل يمكن أن تتحولَ إلى قِيمة مضافة في مجالات مُتعدِّدة، خصوصًا إذا كانت العودة إلى العمل اختياريَّة وتراعي احتياجاته الجديدة.

وقد تكون العودة إلى الحياة المهنيَّة مناسبة لِمَن يشعر بأنَّ العمل يمنحه شعورًا بالإنجاز والحيويَّة، ويمنحه فرصة للتفاعل مع الآخرين وتوظيف خبراته. لكن المُهمَّ أن تكونَ هذه العودة مختلفة عن مرحلة العمل السابقة؛ فلا معنى لأن ينتقلَ المتقاعد من ضغط الوظيفة إلى ضغط جديد يشبهها. الهدف هو أن يعملَ بالقدر الذي يختاره، وبالشكل الذي ينسجم مع ظروفه وأولويَّاته.

والبعض يرى أن التقاعد هو الوقت الذي انتظره طويلًا لِيستمتعَ بحياته بعيدًا عن الالتزامات المهنيَّة. فيقضي وقته في الترفيه والسفر وممارسة الهوايات والأنشطة، بل رُبَّما تعلُّم أنشطة وهوايات جديدة، والبعض يركِّز على حفظ القرآن وتجويده، ويقضي ساعات في العبادة والانشغال بالعبادة في المسجد والتجمع مع المصلِّين في تواصُل اجتماعي جميل، وغيرها من الأنشطة التي حرم منها سابقًا بسبب الانشغال بالوظيفة. تلك الأنشطة يمكن أن تمنحَ هذه المرحلة معنى ومتعة، وتساعد الإنسان على اكتشاف جوانب أخرى من شخصيَّته.

غير أن الاقتصار على الترفيه وحده قد لا يكون كافيًا للجميع. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بأنَّه فاعل ومؤثِّر، ولذلك تصبح العلاقات الاجتماعيَّة عنصرًا أساسيًّا في مرحلة ما بعد التقاعد. وقد تكون هذه فرصة لإعادة التواصل مع الأقارب والأصدقاء، وتوسيع دائرة المعارف، والمشاركة في الأنشطة المُجتمعيَّة والتطوعيَّة. فالوقت الذي كان تستهلكه الوظيفة يمكن أن يتحولَ إلى وقت للعائلة والمُجتمع، وإلى فرصة لصناعة ذكريات وتجارب جديدة.

كما أن التقاعد قد يكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويَّات. ففي سنوات العمل قد تتراجع بعض العلاقات أو تتأجل بعض الرغبات بسبب ضيق الوقت وكثرة المسؤوليَّات. أمَّا بعد التقاعد، فيصبح الإنسان أكثر قدرة على اختيار الأشخاص والأنشطة التي تضيف إلى حياته قِيَمة حقيقيَّة. وهنا لا تكون جودة المرحلة مرتبطة بعدد الأنشطة التي يمارسها المتقاعد، وإنَّما بمدى شعوره بالرضا والتوازن.

ولعلَّ النموذج الأكثر توازنًا هو ألَّا ينظر المتقاعد إلى الخيارات باعتبارها متعارضة. فليس مطلوبًا أن يختارَ بين العمل والترفيه والعلاقات الاجتماعيَّة، إذ يمكن أن يجمع بينها وفق إيقاع يناسبه. قد يعمل بعض الساعات أسبوعيًّا، ويخصِّص وقتًا للسفر والهوايات، ويضع للعائلة والأصدقاء مساحة ثابتة في حياته، إلى جانب المشاركة في نشاط تطوُّعي أو مُجتمعي.

إنَّ التقاعد في جوهره ليس نهاية لِدَوْر الإنسان، وإنَّما بل بداية لمرحلة جديدة، فعليه أن يخططَ هذه المرحلة بحكمة وتوازن. والنجاح في هذه المرحلة لا يقاس بمدى العودة إلى الحياة المهنيَّة، ولا بعدد الرحلات والأنشطة الترفيهيَّة، وإنَّما بقدرة الإنسان على استمراريَّة العطاء بأيِّ صورة من الصوَر، والحرص قضاء وقت أطول في العبادات وبناء لحياته في الآخرة، فالتقاعد هو بداية لحياة جديدة يجب أن تستثمر بشكل حكيم... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@