من الإصدارات الفكرية المتاحة رقميا ضمن «دار الكلمة الطيبة»
عرض ـ علي بن صالح السليمي:
يأتي كتاب (الوحدة الإسلامية في فكر الشيخ أحمد الخليلي) للأستاذ الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني في سياق الاهتمام بالدراسات التي تتناول القضايا الفكرية والإسلامية في نتاج الشيخ الخليلي، وما يتصل منها بوحدة الأمة وقضاياها وهمومها.، ويُعدُّ واحدًا من الإصدارات الفكرية المتاحة رقميًّا ضمن إصدارات (دار الكلمة الطيبة)، التي تُعنى بنشر النتاج العلمي والفكري لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان.
يستهل الكتاب بتقديم نبذة مختصرة عن حياة سماحة الشيخ أحمد الخليلي، ومؤلفاته، قبل أن ينتقل إلى الفصل الثاني الذي يحمل عنوان:(مشروع الخليلي لوحدة الأمة الإسلامية)، فيعرض مفهوم الوحدة الإسلامية، والأسباب الداعية إليها، ودعوة الإسلام إلى الوحدة الإنسانية، مع وقفة موازنة بين ماضي الأمة الإسلامية وحاضرها، ونظرة إلى أسباب الصراع والشقاق، ومن بينها العصبيات العرقية والقبلية والتعصب المذهبي، ويتناول الفصل كذلك خطة عملية لوحدة الأمة، من خلال جملة من المرتكزات، منها ترسيخ التقوى والخشية من الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتصاف من النفس، والعمل بما اتفقت عليه الأمة، ونشر ثقافة التفاهم والوحدة والوئام، وتطبيق الشريعة، والحذر من شق الصف، وطي صفحة الماضي، وعدم تجاوز الحدود الشرعية في إصدار الأحكام، مع التأكيد على الأخذ بالأسباب، وطرح مقترحات لزيادة الرابطة الإسلامية، ويتبع المؤلف عددا من هذه المباحث بالتحليل والتعقيب، أما الفصل الثالث، فيتجه إلى هموم أمة الإسلام وقضاياها في قلب الشيخ الخليلي وعقله، فيعرض موقفه من القضية الفلسطينية، والحرب على اليمن، وحرب أفغانستان، ثم يفرد مساحة للغة العربية باعتبارها من مقومات الوحدة الإسلامية، متناولًا أهميتها، وغيرة غير العرب عليها، وإهمال بعض العرب لها، والدعوة إلى إعادة الاعتبار إليها وجعلها وعاء للعلوم، كما يتناول الكتاب قضية الكفاح في مواجهة الغزو الفكري، وما يتصل بتسلل ما يُعرف في التراث الإسلامي بالإسرائيليات إلى تفسير القرآن، وما يتعلق بحملات التنصير، إلى جانب نقد النظامين الرأسمالي والشيوعي، وبيان موقع الإسلام في هذا السياق، ويختتم هذا الجانب بالحديث عن الشخصية المسلمة بوصفها شخصية مستقلة متفردة، ثم يتناول مسجد آيا صوفيا في تركيا، وإعادته مسجدًا يعبد الله فيه، وتأتي الإشارة إلى هذا المسجد في سياق الحديث عن الوحدة الإسلامية والغيرة على مقدسات المسلمين، بوصفها قضية تتجاوز حدود المكان إلى الشعور المشترك تجاه ما يمس هوية الأمة ورموزها الدينية، ويبرز في هذا السياق موقف الشيخ أحمد الخليلي الثابت من قضية آيا صوفيا، ومتابعته لها باهتمام، ورفضه للاعتراضات التي أثيرت حول عودتها إلى مسجد، منتقدًا بشدة الأصوات التي عارضت هذه الخطوة، ومؤكدًا حق المسلمين في الاعتزاز بمقدساتهم ورموزهم.
وحول هذه الإصدار يقول سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام بمكتب المفتي العام للسلطنة: ويأتي فكر سماحة شيخنا العلامة الجليل أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة ـ حفظه الله وأبقاه ـ مترجمًا لهذه المفاهيم العظيمة، ومستمدًّا عمقه من هذه النصوص قرآنًا وسنة، ولذلك نجد الطرح الفكري الخليلي منسجمًا مع فكر الإسلام الناصع الصحيح، وقد جاءنا الأستاذ المفكر الفيلسوف محمد الزيني بكتابه القيّم (الوحدة الإسلامية في فكر الشيخ الخليلي) ليقدم لنا فيه ما بثّه شيخنا الخليلي من هموم الوحدة الإسلامية وشجونها، فجزى الله خيرًا الأستاذ الزيني على العرض الرائع والتحليلي العميق.
ويقول المؤلف الدكتور الزيني في مقدمة كتابه: حينما فكّرت في الكتابة عن دور الشيخ الخليلي في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وجمع شمل المسلمين وتوحيد صفهم وجمع كلمتهم في مواجهة المخاطر الجمة التي تواجهها الأمة والمشكلات العويصة التي تعاني منها، وتكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، والمؤامرات التي تحاك لها في مراكز البحوث والدراسات، والخطط التي توضع لتفكيك دولها وتفتيت الموحد كما عرضها برنارد لويس (1916 ـ 2018) م المستشرق اليهودي المعروف، ولعل واقع الحال يغني عن التصريح والمقال، ولذلك فكرت هنا أن أتناول فكره وتصوراته وخطته التي طرحها لنهضة الأمة ورقيها من خلال ثلاث دوائر: الدائرة الوطنية فهو مواطن عماني، والدائرة العربية فعمان مكون من مكونات الأمة العربية، والدائرة الإسلامية فهو من علماء الإسلام وشيوخ الأمة ورائد من روادها وزعيم من زعماء الإصلاح.
وعن غزارة النتاج العلمي لسماحة العلامة الشيخ الخليلي يقول الدكتور الزيني: لا يخفى أنني وجدت كمًّا هائلًا من المعلومات والمحاضرات والندوات التي شارك فيها، والمؤتمرات التي قدّم فيها أوراقًا علمية، ناهيك عن الكتب التي كتبها، والموسوعات التي خلفها، وتحتاج إلى عمر سيدنا نوح لكي نقرأها ونستخلص منها منهج الشيخ والأفكار التي طرحها، سواء أكانت تتعلق بالعقيدة والفرق الإسلامية أم التفسير أم علم الحديث، دعك من قضايا اللغة العربية التي تحتاج متخصصين في هذا الميدان.
ومما قاله الدكتور الزيني في خاتمة كتابه عن الشيخ أحمد الخليلي: على أن شيخنا كان واضحا في كراهية العصبية المذهبية والنفور منها أيًّا كان مصدرها، لذلك لاحظنا دوره المشهود في تضميد الجراح بين المذاهب، وإطفاء الحرائق التي يشعلها طائفة من المتعصبين الذين هوايتهم إثارة الفتن وبث الضغينة، والدعوة الملحة إلى تقريب الفوارق بين المذاهب، واشتراكه في المؤسسات العلمية والمؤتمرات الفقهية في أي بلد إسلامي دون النظر إلى مذهبه سوى أن (هويته الإسلام)، واحترام أسباب الاختلاف وهي مسائل هينة لا تستدعي هذه الكراهية الصامتة، فالشيخ ينادي بالمعرفة والفهم والوئام والتعاون.
يُذكر أن الكتاب يتيح للقارئ الاطلاع على جانب من القضايا التي شغلت الشيخ أحمد الخليلي في مؤلفاته وكتاباته ومواقفه الفكرية، من خلال معالجة أكاديمية تتتبع موضوع الوحدة الإسلامية وهموم الأمة وقضاياها في إنتاجه العلمي.