سُئِلَ البصري عن شروط التوبة النصوح فقال: ندم بالقلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح وإضمار ألا يعود أبدًا، ومن رحمة الله الواسعة في هذا الكون أن جعل لعباده أبواب التوبة مفتوحة إلى أخر لحظة من حياة الإنسان، فبسط لهم أبواب الأمل والإسراع إلى حياة جديدة.. حياة التوبة الصادقة، بسط لهم أبوابه العظيمة ليتوب مسيء النهار، وفتح لهم بالليل بابًا آخر ليتوب مسيء الليل، وليعيش التائب حياة سعيدة متجددة، وهذا من عظيم فضله، فكلما أسرع المذنب من ذنوبه واغتسل وتطهر وفتح صفحة بيضاء مشرقة تظلها رحمة الله بأعمال صالحة حاز إلى رضا الله وغفر الله ذنوبه، وكلنا محتاجون للتوبة من وقوعنا في العديد من الأمور وعدم الاهتمام بمحاسبة النفس ومراجعتها، وقد قصرّنا في حقه سبحانه وتعالى منذ أن خلقنا في أحسن صورة وميّزنا عن سائر المخلوقات، قصرّنا في الحمد والشكر على النعمة العظيمة التي أكرم به هذا الإنسان وسخَّر له ما في هذا الكون من عظيم العطايا لخدمته والعيش في أسعد حياة في هذه الدنيا، قصرّنا في حق عبادته ورضاه سبحانه وتعالى، وتقصيرنا لا يُعدُّ ولا يُحصى، فعلينا أن نستفيق من غفلتنا ونعود إلى ربنا في كل لحظة بقيت من أعمارنا، نستغفره فهو الغفار الذي يفرح بعودة عبده إليه أشد من عودة الولد لأمه، فعلينا اذن أن لا نُسوِّف في التوبة إليه، فباب التوبة مفتوح في كل وقت، وكل ما علينا أن نعود إلى الله وجوارحنا كلها في كل ثانية وكل لحظة ترجو من الله العفو والبر والفضل والإحسان، ومن رُزِقَ من ربه التوبة تاب الله عليه وفتحت له صفحة مشرقة ويسَّر الله لهم التيسير والعون والتوفيق، فالتائبون هم جنود الله وأحبابه، قال الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة ـ 222).
الكثير من الناس التي وقع في المعاصي والذنوب وغرق فيها عبر سنوات عديدة وحاله دائمًا يرجو ويسعد إلى تغيير هذا الاتجاه إلى طريق ومسار جاد وصريح مع الله، يشعر المذنب بمرارة المعاصي وقبح المعصية وقلبه يتعصر أشد الندم عمَّا وقع في حق خالقه وكذلك عمَّا وقع بين إخوانه، ولكن أمواج الفتن ما زلت تسوّف وتؤجِّل المسار إلى طريق الحياة المطمئنة إلى توبة صادقة في رحاب الطريق المستقيم، يعيش ظلال النور والهدى الرباني ويعيش في الاتجاه المضئ، فربما يواصل على تثاقل أو يتوقف أو يتراجع، واليأس مازال رفيقه يتسرب إلى جوارحه ويسيطر على قلبه، فهذه خواطر ومشاعر يعيش فيها الكثير من الناس، وعلى هذا الحال يجب أن يقف وقفة صارمة وصادقة مع نفسه ويحاسبها أشد المحاسبة ويختلي بنفسه، ليعلم أن أبواب التوبة مفتوحة وأن رحمة الله التواب أعمق وأشمل وأوسع مما يردده ويتوقعه، وسبحانه العظيم دعانا دائمًا إلى العودة إليه، وأن نفتح صفحة بيضاء تحمل بين ثناياها أعظم الذكر وأفضل القربات والعبادات، قال تعالى:(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه ـ 82)، وقال عزوجل:(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان 70 ـ 71).
يقول سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه:(التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع)، فإن تصحيح المسار والعودة إلى التوبة من أعظم الأعمال التي يتقرب بها المسلم بينه وبين خالقه، والتوبة هي تغيير في حياة الإنسان إلى حياة جديدة أخرى وطريق حقيقية ومشرقة ومضيئة التي يتذوق منها المسلم الحياة الآمنة ويتجه إلى طريق محاسبة النفس عما وقع به في مستنقعات وشوائب عطلت عليه الحياة الإيمانية، ومفتاح التغير الذي يجب أن نسلكه دعوة العزيز الغفار في العديد من الآيات القرآنية رحمة ومحبة من الله بنا، فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: سمِعْتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:(قال الله تبارك وتعالى: يا بنَ آدمَ، إنكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لكَ على ما كان فيك ولا أُبالي، يا بن آدم، لا تهاون و بلَغَتْ ذُنوبُكَ عنانَ السماء، ثمَّ استغفرتَني غفَرْتُ لَكَ ولا أُبالي، يا بن آدَمَ، إنَّكَ لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا، لأتيتُكَ بقُرابها مَغْفِرةً) (رواه الترمذي والألباني).
مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني