الثلاثاء 06 أكتوبر 2026 م - 24 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

«الفَرقُ الدلاليُّ بين الأفعال التي تُرسم بالألف القائمة وبالألف اللينة» «دراسة تطبيقية على بعض أفعال اللغة العربية» «1»

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 12:58 م
140

تلك قضية مهمة من قضايا الرسم الإملائي الشائكة التي تتطلب بيانًا واضحًا، وتمثيلًا متأنيًا؛ حتى تُفْهَمَ الفروقُ اللغوية بين الأفعال ذات الألف القائمة، والأفعال ذات الألف اللينة (التي ترسم كالياء ولكن غير منقوطة) (أي ليس تحتها نقطتان)، مثل الأفعال الآتية: غلا وغلى، وعدا وعدى، وسرا وسرى، وشكا وشكى، وجنا وجنى، وحفا وحفى، وحبا وحبى، وحثا وحثى، وحنا وحنى، وأسا وأسى.. ونحوها من الأفعال ذات الوجهين في الرسم الإملائي، ونتعرف السبب الذي لأجله فَعَلَتِ اللغة هذا الصنيع، وجعلت هناك رسمين فاصلين؛ بسبب اختلاف الدلالتين، وتباين المعنيين.

ومثل هذا العمل الجادِّ هو ما أسمِّيهِ بـ(أمن اللبس في الرسم الإملائي)، حيث إن الجميع يكتبُ في أمن اللبس في القاعدة النحوية، وأمن اللبس في القاعدة الصرفية، ويتناسون أمن اللبس في القاعدة الإملائية، وهو موضوع شُغِلْتُ به كثيرًا، وسيصدر كتابٌ لي بهذا العنوان قريبًا؛ لأنني أستقصي كلَّ ما يمكن أن يُلْبِسَ في الصيغ الإملائية؛ ليكون كتابًا فريدًا في بابه، متميِّزًا في غايته، وربما يكون وحيدًا في التآليف الحديثة، أسأل الله أن ينفعَ به، وأن يحققَ الغرض، والهدف الذي لأجله كُتِبَ، والغاية النبيلة التي لها أُلِّفَ.

وفي البداية، لابد قبل التفرقة بين هذين الجذرين:(سرا وسرى)، ومحاولة الربط بينهما، أن نقدِّمَ بين يدي هذا الموضوع تلك القاعدة الإملائية المهمة، المصحوبة بهذه الأمثلة المتعددة في كلمات اللغة العربية الشريفة، لغة القرآن الكريم؛ لنربط بين هاتين المادتين اللغويتين اللتين قد يظهر من أول وهلة أنهما مفترقتان متباعدتان، ونُبْدِي رأيَنا في هذا الربط بين أصول الكلمات، وكيف تتداخل معانيها، وتتشابك دلالاتها، ويمكن بصورة، أو بأخرى تتلاقى الجذور، وتتناغم المعاني، وتتآزر الوظائف.

وهنا نبيِّن تلك الأفعال ذات الوجهين في الرسم الإملائي، ولِمَ جاءت اللغة لهما بالرسمين؟.

ويُقصد بالأفعال ذات الوجهين في الرسم الإملائي تلك الأفعال التي تُرْسَمُ في ماضيها الثلاثي بألف القصر(الألف التي تُشْبِهُ الياء من غير نقطتين تحت الياء):(ى)، وتُرسَم كذلك بالألف القائمة: (ا) (التي مثل الألف التي فوقها همزة، ولكنْ من غير تلك الهمزة)، لكن ـ كما سبق ـ هذا عائد إلى دلالتها في سياقاتها، فالمعنى هو المتحكِّم في الرسم الإملائي، كما تحكم المعنى في الإعراب، وكما تحكم في الجانب الصرفي، يتحكم هنا كذلك في الرسم الإملائي، فكلُّ فعل يحمل فيها معنى مغايرًا لأخيه، فيراعى معناه هذا عند رسمه، أو تراعى كتابته إملائيًّا؛ حتى لا تلتبس صور الكلمات؛ ومن ثَمَّ تختلط الدلالاتُ، وتضيع المفاهيمُ، وتتدخل الاحتمالاتُ، فاللغة حكيمةٌ في نحوها، وصرفها، وكذلك هي في رسم كلماتها، ولا تقتصر الحكمة، وأمن اللبس فيها في الصيغ والبِنَى الصرفية، ولا في الجمل والعبارات، والتراكيب النحوية فحسب، وإنما تبدو حكمتُها كذلك في القواعد الإملائية، وفي رسم الكلمات في كلِّ ما يمكن أن يُلبِس على القارئ، فتجد علماء الرسم الإملائي، وأهل الأداء يسارعون بوضع الضوابط، والحواجز الإملائية الممكنة؛ حتى لا يحدث لبس، أو ينشأ بين الرسوم خلط، أو سوء فهم، أو تداخل معانٍ، وهنا أضربُ أمثلة متعددة؛ لأبين فيها حكمة اللغة، وسَعة إمكاناتها، وطرائقَ فصل دلالات كلماتها من خلال الرسم الإملائي المتعدِّد الكتابة؛ منعًا من أيِّ خلط، أو اضطراب، أو لبس، ومن ذلك الأمثلة العشرة الآتية: المثال الأول: الفعل «غلا»، و»غلى»: في قولهم: «غلا ثمنُ الكتابِ عليَّ، فلم أستطع شراءه» جاءت الدلالة هنا من الفعل «غلا يغلو»: إذا ارتفع ثمنه، والمضارع يغلو أي يرتفع، لكنْ نكتب على الاتجاه الآخر: «غلى الماء غليانًا شديدًا» أيْ: فار، وارتفع بُخَارُهُ، فالدلالة الأولى يُرسَم الفعل فيها بالألف؛ لأن أصله واو (غلا يغلو)، وفي الدلالة الثانية يُرسَم فيها الفعل بألف القصر: (الشبيهة بالياء غير المنقوطة)؛ لأن أصله يائي، ونقول ـ على سبيل التظرُّف:» لَمَّا غَلَا سعرُ الكتابِ، ولم أتمكَّنْ من شرائه، غَلَى منه دَمِي»، حيث لم أستطع أن أحصل عليه فعدت وكلي كمد، وألمٍ، وأحسستُ بدمي يغلي، (الدلالة ارتفع ـ فار وصعد بخاره)، والمثال الثاني: الفعل: «شكى»، و»شكا» : (بألف القصر الشبيهة بالياء غير المنقوطة)؛ بمعنى تألَّمَ من مرْض، ونحوه، فهذه الدلالة تجعل الماضي الثلاثي يُرْسَم بألف القصر اللينة، أي الشبيهة بالياء غير المنقوطة، ولكنْ، لو قلنا:»شكا إليه سوءَ المعاملة» فسيختلف معناها، وتتباين بالطبع دلالتها، أيْ: أَخْبَرَهُ بسوء فِعْل زميلِهِ معه على سبيل المثال، فالدلالة هي الداعية إلى الرسم الإملائي الذي يناسبُها، واللغة حكيمةٌ هنا ـ كما هي عادتها دائمًا ـ فقد فرَّقت اللغة بهذين الرسمين بين هاتين الدلالتين المختلفتين.(تألم من المرض ـ أبان للناس سوء فعله، أو شكاه إلى القاضي).

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]