الأربعاء 30 سبتمبر 2026 م - 18 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : بارقة أمل بشأن الصحة علها تخفف حالة عدم اليقين بالشرق الأوسط

في الحدث : بارقة أمل بشأن الصحة علها تخفف حالة عدم اليقين بالشرق الأوسط
الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 02:55 م

طارق أشقر

فيما تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة معقَّدة من عدم اليقين، تتداخل فيها الأزمات الصحيَّة والإنسانيَّة مع النزاعات والضغوط الاقتصاديَّة وتحدِّيات التمويل، بما يجعل مستقبل التنمية الصحيَّة والاقتصاديَّة مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة دول المنطقة على حماية أنظمتها الصحيَّة وتعزيز قدرتها على الصمود، أشارت منظَّمة الصحَّة العالميَّة في تصريح للدكتور أدهم إسماعيل، المسؤول عن تسيير أعمال مكتبها الإقليمي لشرق المتوسط، إلى أن الإقليم يعيش ظروفًا وتحدِّيات استثنائيَّة، مشيرًا إلى أن نحو نصف المحتاجين إلى المساعدات الإنسانيَّة في العالم يعيشون في إقليم شرق المتوسط الذي يضم إحدى وعشرين دولة، رغم أن سكَّانه لا يُمثِّلون سوى نحو (9%) من سكَّان العالم.

ورغم الضغوط الماليَّة المتزايدة التي تواجهها منظَّمة الصحَّة العالميَّة، وما ترتب عليها من خفض الميزانيَّة المخصَّصة لإقليم شرق المتوسط بنسبة (21%) مقارنة بالميزانيَّة المقترحة أصلًا، فإن المنظَّمة وعبر المسؤول عن تسيير أعمال مكتبها الإقليمي، أشارت إلى مؤشِّرات أخرى تحمل بارقة أمل بشأن صحَّة الشعوب علَّها تُسهم في تخفيف حالة عدم اليقين التي تخيِّم على مستقبل منطقة الشرق الأوسط.

فقد تمثلت مؤشِّرات بارقة الأمل تلك في قدرة بعض الدول على تحقيق نتائج صحيَّة ملموسة رغم الأزمات، فحسب المسؤول نفسه قضت ثلاثة بلدان من دول بالمنطقة على التراكوما باعتبارها مُشْكلة من مشكلات الصحَّة العامَّة وذلك رغم ما تعانيه منظَّمة الصحَّة من مُشْكلات ماليَّة لتمويل هذا النَّوع من الحملات.

فقد تلخَّص المؤشِّر الأول حسب المسؤول عن تسيير أعمال المكتب الإقليمي لمنظَّمة الصحَّة العالميَّة لشرق المتوسط، في تمكُّن السودان من رفع معدَّل التغطيَّة بالجرعة الثالثة من اللقاح الخماسي من (38%) إلى (71%) خلال عام واحد، و»المعروف عن اللقاح الخماسي بأنَّه لقاح يحمي من خمسة أمراض، هي الدفتيريا، والسعال الديكي، والكزاز، والتهاب الكبد الوبائي ب، والمستدمية النزليَّة من النَّوع اتش أي بي، التي قد تسبِّب التهاب السحايا وغيرها من الالتهابات الخطيرة».

أمَّا المؤشِّر الثاني الذي يبعث بالأمل رغم حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة ونقص التمويل الذي تعاني منه المنظَّمة، فهو تمكُّن الصومال من خفض الوفيات الناجمة عن الكوليرا بنسبة (93%).

أمَّا ثالث المؤشِّرات المطمئنة ـ وبحسب منظَّمة الصحَّة العالميَّة ـ فهو انخفاض معدَّل وفيات الأُمَّهات في إقليم شرق المتوسط من (231) وفاة لكل (100) ألف ولادة حيَّة عام (2010) إلى (179) وفاة عام (2020).

لا شك أن هذه المؤشِّرات التي تضمنتها تصريحات المسؤول عن تسيير أعمال مكتب منظَّمة الصحَّة العالميَّة الإقليمي لشرق المتوسط، تكتسب أهميَّة خاصَّة لِمَا تحمله من مؤشِّرات تتصل بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.

والشاهد أن حالة عدم اليقين التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط لم تَعُد مرتبطة فقط بمسارات النُّمو الاقتصادي أو التضخم وأسعار الطاقة والتجارة، بل أصبحت مرتبطة كذلك بقدرة بعض الحكومات على تمويل الخدمات الأساسيَّة التي في مقدِّمتها الرعاية الصحيَّة، حيث إن تراجع قدرة أنظمة الصحيَّة على الاستجابة ببعض الدول، تُسهم بالنتيجة في رفع الكلفة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للأزمات، سواء عبر فقدان الإنتاجيَّة أو زيادة الحاجة للمساعدات أو تراجع الاستثمار في رأس المال البشري.

وممَّا لا شك فيه أن حالة عدم اليقين والضغوط الماليَّة التي تواجهها (بعض) دول الشرق الأوسط تحدُّ من قدرتها على الحفاظ على الخدمات الصحيَّة الأساسيَّة مع تراجع الموارد، في حين تُعزِّز هذه الحالة ضرورة ابتكار مبادرات فاعلة لدعم القدرة الماليَّة لمواجهة تكاليف الرعاية الصحيَّة بتلك الدول والحدّ من الأعباء التي يفرضها الإنفاق المباشر على الصحَّة على الأفراد والأُسر.

وبحسب منظَّمة الصحَّة العالميَّة أيضًا، يواجه نحو (28%) من سكَّان إقليم شرق المتوسط ضائقة ماليَّة نتيجة المدفوعات المباشرة من الجيب للحصول على الرعاية الصحيَّة، فيما يضطر نحو واحد من كل خمسة أشخاص إلى خفض الإنفاق على الغذاء أو التعليم أو الاحتياجات الأساسيَّة الأخرى لتغطية تكاليف الرعاية الصحيَّة.

وبذلك يمكن قراءة تصريحات منظَّمة الصحَّة العالميَّة باعتبارها رسالة مزدوجة جانبها الأول يحمل تحذيرًا من حجم الضغوط التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط، فيما يُؤكِّد جانبها الثاني على أن هناك مجالًا لتحقيق نتائج ملموسة حتى في ظلِّ محدوديَّة الموارد، وبين هذين المساريْنِ يبقى تقليص حالة عدم اليقين في إقليم شرق المتوسط مرتبطًا بقدرة دول منطقة الشرق الأوسط كافَّة وشركائها الدوليين على تحويل الصحَّة من بند إنفاق طارئ إلى استثمار طويل الأجل في الاستقرار والتنمية ورأس المال البشري، خصوصًا وأن الاستقرار الصحِّي لا ينفصل عن الاستقرار الاقتصادي.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»