الجغرافيا وعبقريَّة المكان تقاس بميزان الذهب، والأغلى من الذهب هو المعرفة الحقيقيَّة لقِيمة الموقع وجغرافيَّته، والاستفادة الاقتصاديَّة منه لرفع مستوى الدخل العائد، والذي يصبُّ ـ بطبيعة الحال ـ على المواطن ومستقبله. وحين يزور حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ المنطقة الاقتصاديَّة الخاصَّة بالدُّقم، فإنَّ المشهد لا يبدو متعلقًا بميناء أو منطقة صناعيَّة أو مجموعة من المشروعات المتفرقة، بقدر ما يكشف عن مشروع عُماني أكبر، يتجسد فيه إبداع الابتكار بكيفيَّة تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، فتكتب هنا قصَّة اقتصاديَّة جديدة ناجحة، إمكاناتها الموقع الاستراتيجي الذي يتحول إلى قوَّة إنتاجيَّة واستثماريَّة ممتدَّة إلى المستقبل، خصوصًا وأنَّ الدُّقم تمتلك ما يحلم به كثير من المُدن الاقتصاديَّة، من حيث موقع مفتوح على بحار العالم، مثل بحر العرب، وهو مفتوح مباشرةً على المحيط الهندي، ويُعَدُّ نقطة شديدة الأهميَّة؛ حيث يمنحها اتصالًا بحريًّا مباشرًا بالممرَّات البحريَّة المتَّجهة نحو الهند وجنوب آسيا وشرق إفريقيا، وكذلك أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ممَّا يعني قربها من طُرق التجارة البحريَّة التي تربط الشرق بالغرب. وهذا يدعم تحويلها إلى مركز للنقل البحري والخدمات اللوجستيَّة، بفضل تميُّزها بالعديد من المُقوِّمات التي يضاف إليها عُمق الميناء الذي يسمح باستقبال سُفن الحاويات الكبيرة، المساحة الضخمة التي تمتدُّ لنحو (2000) كم، وبواجهة ساحليَّة تقارب (90) كم، وهي مساحة تمنحها قدرةً كبيرةً على استيعاب الصناعات والموانئ والمشروعات السياحيَّة واللوجستيَّة، قربها من موارد النفط والغاز والمعادن، وهو ما يدعم إقامة صناعات تحويليَّة مرتبطة بالموارد الطبيعيَّة، شواطئ طبيعيَّة، وتكوينات صخريَّة، ورأس مدركة، وحديقة الصخور، ومناخ أكثر اعتدالًا نسبيًّا في الصيف، وميناءً قادرًا على خدمة حركة التجارة، وبيئة تشريعيَّة واستثماريَّة تستهدف جذب رؤوس الأموال، إلى جانب شبكة من المشروعات الصناعيَّة واللوجستيَّة والتنمويَّة. وامتلاك هذه المُقوِّمات لا يصنع النجاح وحده، بل اهتمام جلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ـ وقيامه بتشريف المنطقة وزيارتها لهو دلالة على الاهتمام بتحويلها إلى منظومة اقتصاديَّة متكاملة تستطيع إنتاج القِيمة، واستقطاب المستثمر، وخلق سلاسل توريد، وربط الصناعة بالأسواق. وهنا تكتسب توجيهات جلالة السُّلطان خلال الزيارة أهميَّتها؛ فالمطلوب ليس فقط مواصلة استثمار مُقوِّمات الدُّقم، وإنَّما تعظيم الاستفادة منها بما يُعزِّز مكانتها كمركز اقتصادي ولوجستي واعد. وهذه الرؤية تنقل الدُّقم من مفهوم «المنطقة الاقتصاديَّة» بمعناه التقليدي إلى مفهوم أكثر اتساعًا، هو مدينة اقتصاديَّة متكاملة تتداخل فيها الصناعة مع اللوجستيَّات والطاقة والتكنولوجيا والسياحة والخدمات. واللافت أن التحوُّل بدأ يظهر في لُغة الأرقام؛ فالاستثمارات المتراكمة في المنطقة وصلت إلى مستويات كبيرة، وتوسَّعت قاعدة الشركات والأنشطة الاقتصاديَّة، بينما تتَّجه مشروعات جديدة إلى قِطاعات ذات قِيمة مضافة، من الصناعات التحويليَّة والطاقة إلى الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا. وهنا لا يصبح المستثمر مجرَّد رقم في قائمة المشروعات، بل جزء من عمليَّة بناء اقتصاد جديد.
الأكثر أهميَّة أنَّ الدُّقم لا تتحرك في اتِّجاه واحد؛ فالميناء يمنحها بوَّابةً تجاريَّة، والصناعة تمنحها قدرةً إنتاجيَّة، واللوجستيَّات تمنحها اتِّصالًا بالأسواق، والطاقة تمنحها قاعدةً للتوسُّع، بينما يمكن للسياحة والخدمات والتكنولوجيا أن تمنحَها بُعدًا حضريًّا واقتصاديًّا أكثر تنوعًا. وهذا هو جوهر رؤية «عُمان 2040»: ألَّا يكونَ التنويع الاقتصادي مجرَّد تقليل الاعتماد على النفط، وإنَّما بناء مصادر جديدة ومستدامة للنُّمو، تقوم على الاستثمار والابتكار والقِيمة المضافة والاندماج في الاقتصاد العالمي، لِتتحولَ من كونها منطقة تستقبل الاستثمارات إلى مركز يجذب حوله الاستثمارات والأسواق وسلاسل الإنتاج. في عالم تتنافس فيه الموانئ والمناطق الاقتصاديَّة على موقع داخل خريطة التجارة العالميَّة. إنَّ القصَّة الحقيقيَّة للدُّقم تكمن بأنَّ القيادة الحكيمة لا تريد أن تكونَ مجرَّد نقطة على طريق التجارة العالميَّة، بل أن تصبحَ جزءًا مؤثِّرًا من هذا الطريق نفسه، بتطوير المنطقة وتعظيمها اقتصاديًّا. والأرقام تقول إنَّ الدُّقم أتمَّت البداية في قصَّتها، وتحققت أهدافها؛ لِيصبحَ ختامها مدينة الاقتصاد العالميَّة في المنطقة خلال السنوات القادمة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»