الأربعاء 30 سبتمبر 2026 م - 18 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

القلق العالمي الوجودي وتجرُّع الدواء المُر

القلق العالمي الوجودي وتجرُّع الدواء المُر
الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 02:51 م

عادل سعد

تشهد أروقة الأُمم المُتَّحدة خلال دَوْرتها السنويَّة الحاليَّة الـ(81) (شعورًا عامًّا بالقلق الوجودي حول حالة العالم).

لقد أوردت تقارير ومداخلات وفودٍ عديدةٍ المزيدَ من هذا القلق استنادًا إلى انخفاض مستوى الحيويَّة التضامنيَّة مقابل انشطارات لا حصر لها، أخذت تتفاقم بمعدَّلات غير مسبوقة من أجلِ أرباح جانبيَّة حكمها سلفًا استحقاق مساومات. وللإنصاف أقول إن هذا القلق لم يلغِ كليًّا الحسَّ التضامني الدولي الذي ما زال التعاطي به جاريًا بإصرار ومواظبة، ولكن بدون أريحيَّة الائتمان.

إنَّ العالم الآن في أشدِّ الحاجة إلى التطوُّر المستند إلى التَّماسُك والتداول عن أفضل السُّبل بهدف تدارك الأوضاع. ولا شك أن هناك جاهزيَّة تحت النظر لتفكيك هذا القلق عبَّرَ عنها الأمين العام للأُمم المُتَّحدة أنطونيو جوتيريش حين دعا إلى عدم انتظار ثانية واحدة للبدء في إيقاف تحويل العالم إلى مكبِّ نفايات. والحال، لا فرصة في اليد إلَّا استحضار منظومة دوليَّة تمَّ إقرارها، لكنَّها ما زالت تخضع للتجاذب السياسي الحادِّ، الأمر الذي عطَّل المزيد من فعاليَّتها.

لقد نوَّه خبراء مُرافقون لوفود مشاركة في الدَّوْرة الـ(81) بإهمال صكين دوليين كان ينبغي لهما أن يتصدَّرا الاهتمام، صكَّان كلاهما يقومان على النظرة التحسبيَّة، والسَّلام البنَّاء، والشراكة في التنمية العادلة.

الصَّك الأول تمَّ الانحياز التعبوي له منذ عام (1987)، وقد أشرفت عليه الأُمم المُتَّحدة التي كلَّفت بِدَوْرها رونتلاند، رئيسة وزراء النرويج الأسبق، بإدارته، وعُرف باسمها، حاملًا مفهومًا تضامنيًّا على درجة من الضرورة اللوجستيَّة، يتعلق بالمصير المشترك للبشريَّة، الأمر الذي يتطلب المزيد من الانخراط في تنمية تنتبه إلى أسبقيَّة (معالجة أزمات التنوع الحيوي مع اعتماد نُموٍّ اقتصاديٍ يراعي الحدود البيئيَّة والعدالة الاجتماعيَّة في الحدِّ من العوز المعاشي، ومكافحة التمييز، والحفاظ على الصحَّة النفسيَّة بتعزيز الاطمئنان الروحي)، والابتعاد عن السياسات الاستئثاريَّة الاستحواذيَّة الضيِّقة.

لقد اعتمدت قمَّة الأرض الدوليَّة في مدينة ريو دي جانيرو الأرجنتينيَّة عام (1992) أهداف ذلك الصَّك، لكن تناقض سياسات بعض الدول صاحبة النفوذ الأقوى أدَّى إلى تذبذب أغلب تلك الأهداف، رغم أن المشاركين في ذلك المؤتمر أقروا ما يُعرف بجدول أعمال القرن الحادي والعشرين، وخلاصته السَّعي إلى تغيير العقول باتِّجاه تحقيق ضمانات أخلاقيَّة وإنسانيَّة تتكامل مع التحديثات العلميَّة.

الصَّك الثاني خرج من رحم تقرير رونتلاند، وأعني أهداف التنمية السبعة عشر الصادرة عام (2015).

لقد شملت قائمة هذه الأهداف التصدِّي للثالوث الخبيث: الفقر، والجهل، والمرض، وكذلك الحرص على تطبيق العمل الدولي المنصف من أجلِ تَبنِّي سياسات يحرِّكها التعاون والشراكات والتخادم في التقانة والخبرة.

إنَّ التشغيل المؤكَّد لِتَبنِّي سياسات رشيدة من هذا النَّوع يُرتب على جميع الدول الانصياع إلى المنطق التعاوني الخالص، وأن تتحملَ دول النفوذ الأقوى أعباءً أكثر في الأسبقيَّات الإنقاذيَّة، وأن يعادَ تدوير أولويَّات الدول على أساس المنطق التشاركي، وتلك مهِمَّة على درجة من التعقيد الإجرائي قياسًا بالندِّيَّة المتوحِّشة التي ما انفكت تتشاطر على المنصَّات الدوليَّة.

بملخص استنتاجي، إنَّ القلق الوجودي الذي يكتسح العالم الآن جاهزٌ حقًّا من اللحظة الزمنيَّة الحاليَّة لتحرير وصفة علاجيَّة رافعة عطفًا على حقيقة أن العالم لا ينقصه التشخيص الدَّقيق، مع توافر أعداد كبيرة من الخبراء المحنَّكين. إنَّ ما ينقصه القدرة على تجرُّع الدَّواء المُر.

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]