«إن من لا يفهم التاريخ والجغرافيا يهزمه مَن يعرف التاريخ والجغرافيا»، جملة على لسان أُم بطل رواية «عبور» للكاتبة المصريَّة هويدا طه تكاد تلخِّص الرواية كلّها. جاءت الجملة وكأنَّها رد مباشر على مَن يقلِّلون من أهميَّة دراسة التاريخ والجغرافيا لصالح دراسة «أُمور عمليَّة» كبرمجة الحاسوب (الكمبيوتر). اختارت الكاتبة، التي درست الهندسة بجامعة الإسكندريَّة وعملت في الإعلام كل حياتها قَبل أن تتقاعدَ، لروايتها الأولى التي تَدُور أحداثها في عام (2040) قالبًا أشبه بطريقة «الخيال العلمي». يعتمد بطل الرواية على إنجاز صديقه الذي ابتكر آلة لعبور الزمن فيسافر في التاريخ إلى ما قَبل الميلاد بخمسة قرون حيث الغزو الفارسي الأول لمصر واحتلالها. ومن القراءة الأولى للرواية تشعر كأنَّك تطالع كتابًا في تاريخ مصر الفرعونيَّة، لكن من خلال «حكايات» إنسانيَّة لبطلها المعاصر أو المستقبلي بعد عقديْنِ من الآن.
لا يعني ذلك أن الكاتبة استغرقت في التاريخ لِتضيعَ منها الحبكة الروائيَّة، بل على العكس هي عبارة عن «حكايات داخل الحكاية» إذا جاز التعبير، مع الإشارة إلى أن قراءتي انطباعيَّة ولا علاقة لها بالنقد الأدبي وأُصوله. من الواضح أن عمل هويدا في إنتاج وإخراج الوثائقيَّات التلفزيونيَّة ساعدها في عمليَّة البحث الأوَّلي لمادَّة الرواية، خصوصًا من مصادر التاريخ الفرعوني المصري. لكن «عبور» في النهاية ليست بحثًا تاريخيًّا، إنما هي رواية منسوجة بشكل جميل يأخذك كقارئ حتى لو ثقلت عليك الأجزاء التاريخيَّة من انكسار المصريين ثم مقاومتهم ونهوضهم مجدَّدًا في تلك الحقبة التاريخيَّة. ويتَّخذ البطل من ذلك مدخلًا لأبحاثه عمَّا يُسمِّيه أستاذه «دوائر القهر والحُريَّة». وكما في ثنايا الرواية وقرب نهايتها يلحظ القارئ أن ذلك لا ينطبق على تاريخ مصر القديمة فحسب، بل على تاريخ حضارات البشر كلِّها تقريبًا.
حين يسأل البطل زميلته الباحثة اليونانيَّة «هل فكرت يومًا كيف كان يمكن لنا أن نعيشَ دون أن نعرفَ ما حدَث في ذلك الماضي البعيد؟ قالت: كنَّا سنكون مثل هؤلاء الأميركان الذين يتعجبون من اهتمامنا بالماضي! لا يفهمون. نحن نهتمُّ بماضينا لأنَّنا يا عزيزي بشكل أو بآخر على صلة به، الزهور مهما كان جمالها تموت إذا قُطعت الجذور». ولعلَّ «مد الجذور» هذا هو الخيط الذي نسجت عليه هويدا طه روايتها. بالطبع لا يخلو نسيج الحكاية من مقولات تعبِّر عن مواقف صريحة ومباشرة للكاتبة ممَّا في عصرنا. إنَّما حتى في عبور البطل للزمن إلى الماضي شِبه السَّحيق، نلحظ «جذور» كثير ممَّا نشهده في عالمنا الحديث وكأنَّما هي جينات وراثيَّة تظل ضمن مُكوِّنات الشخصيَّة. لا يحتاج المرء إلى التفكير في أيِّ «إسقاط» من الكاتبة على واقعنا المعاش فهي صريحة في بعض المواقع بجعل البطل يربط ما يراه في زياراته للتاريخ وما شهده في أيَّامنا هذه وهو صغير.
كما أن اختيار الكاتبة لقالب «الخيال العلمي» ليس في الحقيقة «خيالًا» مثل ما تصوِّره هوليوود في أفلام حروب الفضائيين أو قضاء الذَّكاء الاصطناعي على البشر. إنَّما هو مجرَّد «وعاء» بسيط يسمح بحكاية تاريخ قديم جدًّا وربطه بالحاضر والمستقبل من خلال «مد الجذور». وإن كان عنوان الرواية «عبور» يعكس موضوع عبور الزمن من قِبل البطل، إلَّا أن «العبور» في ثقافتنا مرتبط بأهم نصر للعرب على الاحتلال «الإسرائيلي» في مثل هذه الأيَّام قَبل ثلاثة وثلاثين عامًا حين عبر الجيش المصري قناة السويس في معركة بداية تحرير شِبه جزيرة سيناء من الاحتلال. تلك الدلالة تبدو في خلفيَّة الكاتبة وهي تُشير من خلال دراسة البطل ومشاهداته في العصور القديمة إلى سيناء؛ باعتبارها دائمًا بوَّابة الهجمات على مصر. ليس فقط أيَّام الغزو الفارسي الأول والثاني في الألفيَّة السابقة على الميلاد، بل ورُبَّما أقدَم من ذلك بكثير.
كثير من الروائيين، العرب وغير العرب، استخدم التاريخ مجالًا للحكي ومادَّة لبناء الحكايات وربطها بما هو معاصر أو لمجرَّد الإسقاط على الواقع الحالي. حتى إن هناك كثيرًا من الأجانب الذين جعلوا من التاريخ الفرعوني «وعاءً» لروايات شهيرة انتقل بعضها إلى السينما العالميَّة في أفلام هوليوديَّة. لكن أتصوَّر أن اختيار الكاتبة تحديدًا للغزو الفارسي الأول والثاني لمصر كان للإضاءة على الفترة ما بينهما وما شهدته مصر من محاولات نهضة وصراعات سُلطة أضعفت الأُسر الأخيرة في العهد الفرعوني. وفي التفاصيل التي يسجِّلها البطل الباحث في التاريخ تكاد تجد خطًّا ممتدًّا منذ نحو ألفين وخمسمئة عام إلى يومنا هذا. فدوائر القهر والحُريَّة مستمرَّة ما استمرَّت البشريَّة، وداخلها الكثير ممَّا قد تَعدُّه أن «التاريخ يكرر نفسه». رغم معرفتي بالتاريخ ـ لمامًا طبعًا ـ إلَّا أنَّني استمتعت بالفقرات التاريخيَّة في رواية «عبور» وإن لم تفقدني متعة الحكاية/الإطار للبطل باحث التاريخ وصديقه مهندس التكنولوجيا ووالدته التربويَّة وزميلته الباحثة اليونانيَّة وبقيَّة الشخصيَّات المعاصرة. مع ملاحظة أن رسم الشخصيَّات المعاصرة في الرواية لم يكن بعُمق بعض الشخصيَّات العاديَّة ـ غير التاريخيَّة ـ في الفترة الفرعونيَّة التي يزورها البطل في عبوره للزمن. في النهاية هذا عمل مبشر من كاتبة تستخدم مخزونها على مرِّ عقود من الدراسة والعمل في نسج «حكايات» أتصوَّر أنَّها ستكون أكثر نضجًا وإبداعًا في أعمال قادمة.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري