الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 م - 17 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

لدي جاسوس

لدي جاسوس
الاثنين - 28 سبتمبر 2026 02:50 م

إبراهيم بدوي

10

بدأ الأمر بصورة التقطتها لشاشة تظهر أحد البرامج الجديدة، وأردت بعض المساعدة من الذَّكاء الاصطناعي، كي أفهم أرقامها، فوجئت به يذكر معلومة عن تاريخٍ شخصيٍّ بدقَّة. تركت ما أحاول فهمه جانبًا وسألتُه كيف عرف التاريخ، فأجاب بأنَّني ذكرته له في حديث سابق، كان على حقٍّ؛ فقد استعنتُ به وقتها في أمر يخصُّ عملي الجديد في التسويق والمبيعات، وقد نسيتُ ذلك الموقف. أدهشني أن تاريخًا مهمًّا مرتبطًا بالعمل لم أجده في نظامه حين احتجتُه، بينما بقي حاضرًا في ذاكرة برنامج أعود إليه عند الحاجة الضروريَّة، وأعرف أشخاصًا يعتمدون عليه في التصميم والتنسيق، ويسألونه أحيانًا ماذا يطبخون، ثم يطلِعونه بالاطمئنان نفسه على أسرار مهنيَّة وشخصيَّة لم يكونوا ليحكوها لغريب، فكرتُ في حجم ما نأتمنُه عليه، فزادت الوساوس، وشعرتُ وقتها بأنَّه قد يكون لديَّ جاسوس، ولا أدري أيضًا كيف ظهرت تلك المخاوف من هذا الموقف البسيط.

وفي تزاحم الأفكار، بدأت الذكريات تغذِّي مخاوفي؛ فقد تذكرتُ حديثًا مع صديق عن السفر أعقبته إعلانات لشركات السياحة، ورجلًا جمعني به حديث بسيط في الشارع، فظهرت صورته في اليوم التالي ضمن قائمة «أشخاص قد تعرفهم»، من دون أن نتبادل أرقام الهواتف، لا أعرف سبب ظهور الإعلان أو الاقتراح، وقد استفدتُ أحيانًا من خدمات كهذه، مثلما استفادت الشركات من معرفة اهتماماتنا ودوائر معارفنا، وكانت تلك، في الغالب، معلومات يمكننا تحمُّل معرفة الآخرين بها، سواء كانت وجهة نفكر في زيارتها، أو شخص قد نرغب في التواصل معه، لكنها تنبِّهنا إلى مخاطر جمع البيانات وانتقالها إلى جهات أخرى. كنتُ أطرد أحيانًا كثيرة تلك المخاوف وأصفُها بنظريَّة مؤامرة، ثم كشفت وثائق إدوارد سنودن عن برامج مراقبة واسعة، وأثارت قضيَّة احتمال مراقبة هاتف المستشارة الألمانيَّة أنجيلا ميركل أزمة سياسيَّة، وظهرت فضيحة كامبريدج أناليتيكا بشأن جمع بيانات مستخدمي فيسبوك واستغلالها في الاستهداف السياسي، صحيح أنَّها وقائع لا تثبتُ تفسيرًا لما ظهر على هاتفي، لكنَّها تمنح القلق على مصير المعلومات أسبابًا يصعب تجاهلها.

مع الذَّكاء الاصطناعي يتغيَّر حجم ما نكشفه وطبيعته، أشرح له ظروف عملي، وأناقش معه احتياجات عميل أو موقفًا واجهني في اجتماع؛ كي يساعدَني على اختيار الخطوة التالية. وقد يحدثه آخر عن صحَّته أو أُسرته أو أزمته الماليَّة، أو يجد في الحديث معه مساحة للفضفضة. وكلَّما عرف تفاصيل أكثر، أصبحت مساعدته أدقَّ، واتَّسعت في المقابل الصورة التي يمكن تكوينها عن صاحب تلك التفاصيل. صحيح أن البرنامج لا يحمل نيَّات أو مشاعر بشريَّة تجاه أسرارنا، لكن وراء الخدمة بشرًا ومؤسَّسات يضعون قواعدها ويديرونها، لذلك أريد أن أعرف كيف تُحفظ محادثاتنا، ومَن يستطيع الوصول إليها، وكيف نتحكم فيما يبقى منها، فالمنفعة التي أحصل عليها حقيقيَّة، وكذلك مسؤوليَّتي عن المعلومات التي أضعها أمامه حقيقة أوضح.

لقد تعلَّمنا كيف نكتب طلبًا جيِّدًا لِنحصلَ على إجابة أفضل، وحان الوقت لِنتعلَّمَ كيف نحمي ما نقوله، ينبغي أن يتَّسعَ فهم كل مستخدم لهذه الحماية بقدر اتِّساع اعتماده على الذَّكاء الاصطناعي، فالعامل في جهة سياديَّة قد يعرف ما يمسُّ أمن بلده، وحتى الموظف في وظيفة عاديَّة يحمل معلومات تخصُّ عملاءه وزملاءه ومؤسَّسته. خلال الحرب العالميَّة الثانية، حذَّرت حملات التوعية من إفشاء تحرُّكات القوَّات في الأحاديث اليوميَّة؛ لأنَّ تفصيلًا يبدو صغيرًا لمن يرويه قد تكون له قِيمة لدى مَن يجمعه مع غيره، واليوم نحتاج ضمانات واضحة تبقي أسرارنا في دائرة نعرف حدودها، لا أعرف وحدي كيف تبنى تلك الدائرة تقنيًّا، لكنَّني أعرف أن المطالبة بها حق؛ فالمعلومة جزء من القوَّة، والحفاظ عليها درع حماية للفرد والمؤسَّسة والأوطان. لقد بدأت الحكاية بتاريخ غاب عن نظام ما وحضر في ذاكرة برنامج، وانتهت بي إلى سؤال عمَّن يملك مفاتيح تلك الذاكرة، ولمن يكون ولاؤها.

إبراهيم بدوي

[email protected]