لأنه الحر الأبدي قال عنه جبران خليل جبران «العصفور لا يبني عشاً في القفص حتى لا يورّث ابنه العبودية»، الغجر يرفضون امتلاك جوازات سفر لأنهم يعتبرون الأرض كاملةً وطنٌ لهم كذلك هو العصفور الأرض وسماؤها وطن له، يقول جاك ديفال «أحب الله الطيور فخلق الأشجار، أحب الإنسان الطيور فصنع الأقفاص»، هو رمز للمحبة والسلام، عندما أرى طيراً يكون لزاماً عليّ أن أتّبع نصيحة لانغستون هيوز «تمسكوا بالأحلام، فإٍذا ماتت الأحلام تصبح الحياة كطائر مكسور الجناح لا يستطيع الطيران».
الأشجار جميلةٌ بالفعل لكنها أجمل عندما تكون الطيور على أغصانها مزقزقةً ببهجةٍ وفرح وربما هي تُسلّم على الفلاح الذي يحرث الحقل أو تشكر الشجرة التي تُظّلل أغصانها أعشاشها، يقول المثل (عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة)، بالنسبة لي لا أريد عصفوراً في اليد بل أريدها مُحلّقةً أو على الشجرة، لا يوحد مكان على ظهر الأرض إلا وبه الطيور، البحار.. المحيطات.. الأدغال.. الصحاري ـ في هذه الحالة هو رفيق الإنسان أينما حلّ وأرتحل، منذ القدم لكل حضارة طائرها الأسطوري الخرافي أبرزها المصرية القديمة والإغريقية والرومانية، ففي الحضارة الأغريقية طائر الفينيق الذي يبني عشه من الطيب والمرّ واللبان، هو رمز للتجدد والبعث بعد الموت والدمار، حيث يحترق بنيران عشه ليبعث من جديد بعد قرون، طائر العنقاء عند العرب والسميرغ عند الفرس ولدى الصينيين فنغهوانغ، في مصر القديمة طائر البينو وهو طائر مرتبط بإله الشمس رع، ينتقل الطائر من حضارة إلى حضارة كما ينتقل من شجرة لشجرة.
منذ بدء الخليقة يختلف البشر ويتصارعون لكنهم يتفقون دوماً في محبة الطيور، يقول عنها محمد مراد إيلدان «عندما ترى الطيور تحلق من غروب الشمس نحوك، ستجد صعوبة في إقناع نفسك بأنها ليست ملائكة من السماء»، ما قاله إيلدان يمثل الحب الإنساني لهذه الكائنات، الطائر رحالة أبدي ، يرحل من جمالٍ إلى جمال، الطيور على أشكالها تقع، هكذا يقول المثل وإن كان المقصد بعيداً عن الطيور التي أتحدث عنها، بالنسبة لي يصدق المثل، حدث مرة أنني أقمت في قرية مغربية في فصل الربيع وهو موسم تزاوج الطيور، كانت الصباحات عبارة عن موسيقى جميلة تعزفها الطيور، كل طائر يتودد بزقزقته إلى أنثى من جنسه إلى أن تقبل به، يعيشان المرحلة الحُبية، كان مهرجاناً من الفرح رسمته الطبيعة وأودعته أمانةً جميلة في قلبي إلى اليوم.
في الليل حيث العصافير نائمة أستحضر معزوفة (حب العصافير) لسفير الحزن العراقي العازف نصير شمّه التي أعتبرها ترجمة موسيقية إبداعية لما تحمله العصافير من حبٍ في قلوبها وريشها وأصواتها ، بعض الأحيان أدندن مع نفسي «عصفور طل من الشباك .. وقال لي يا نونو .. خبيني عندك خبيني» ، جميلة هذه الأغنية بصوت فيروز وصوت أميمة الخليل ومارسيل خليفة لكن صوت العصافير يبقى أجمل صوت وموسيقى في العالم.
ناصر المنجي
كاتب عماني